رفضت إسرائيلُ، بالأمس، طلبَ لبنانَ هدنة خلال فترة المفاوضات المباشرة الجارية في العاصمة الأميركية واشنطن.
بهذا الموقف، طبعاً لا تخشى إسرائيل إطلاقاً أي غضبة أميركية؛ وذلك لأنَّ ما ينطبق على علاقات الولايات المتحدة بإسرائيل لا ينطبق على علاقاتها بأي دولة «حليفة». وبالتالي، فقط أكثر المتابعين سذاجةً، أو ميلاً إلى الإنكار، يصدّقون أنَّ واشنطن راعٍ محايد للعملية التفاوضية الحالية.
من جهة أخرى، تجري العملية التفاوضية أمام خلفيتين مهّمتين، هما:
أولاً، توسّع العمليات العسكرية الإسرائيلية، تدميراً وتهجيراً، بذريعة استئصال البنية التحتية لـ«حزب الله»، مع كل ما تستتبعه على الداخل اللبناني من تأزيم سياسي، وتأجيج طائفي وخراب اقتصادي. وهذا بالضبط ما يسعى إليه اليمين الإسرائيلي في نطاق مشروعه التقسيمي – التفتيتي للمشرق العربي.
وثانياً، إعادة صياغة العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل في خضم تغيّرات متسارعة في علاقات واشنطن الدولية والإقليمية، وأيضاً في العقيدة القتالية الإسرائيلية.
يوم أمس نشرت «الشرق الأوسط» مساهمة قيّمة من مراسلنا في فلسطين المحتلة نقلاً عن الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، جاء فيها قول الأخير إن «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الصغرى، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».
ويرى يدلين، ومعه أفنر غولوب، مؤسس منظمة «مايند يسرائيل» ومديرها، أنَّه مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على «شراكته» الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل داخل الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنَّها «جرّت» الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية؛ ولذا يدعو الرجلان إسرائيل إلى أن تُقدّم لواشنطن «ليس مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».
ومن ثم يدعو الرجلان إسرائيل إلى تعزيز نموذج جديد لعلاقاتها مع واشنطن «لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة»، وبالذات، في مجالات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية.
مهم في هذا السياق ملاحظة النمو الهائل في الاستحواذات الأميركية، والبرامج التطويرية والتصنيعية المشتركة بين المجموعات الأميركية العملاقة والشركات الإسرائيلية الناشئة المتفوقة في مختلف تطبيقات الذكاء الاصطناعي المسحية والاستشعارية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تكفي الإشارة إلى استثمارات شركة «آبل» العملاقة في إسرائيل، حيث لديها في مدينة هرتسليا ثاني أكبر مرافقها البحثية والتصنيعية في العالم.
في المقابل، ولكن مع مواصلة بحث علاقات تل أبيب مع واشنطن، لفت أمس باحث إسرائيلي ناقد لسياسات حكومته إلى أنَّ السلطات الإسرائيلية متضايقة من «إبعادها» عن المباحثات التي تجريها واشنطن مع طهران. ولذا فهي تحاول أن تؤثر عليها «من الخارج». ومن ثم عدّد الباحث الإسرائيلي بعض أسباب الضيق، كما يلي:
أولاً، يقلق إسرائيل احتمال أن يكتفي اتفاق واشنطن مع طهران على وقف لإطلاق النار، وفتح مضيق هرمز، من دون حسم الموضوع الأساسي في أولويات تل أبيب… ألا وهو برنامج إيران النووي ومخزونها من اليورانيوم المخصّب.
ثانياً، تشكيك بنيامين نتنياهو في حقيقة التزام واشنطن المتكرّر بأن لا اتفاق في الموضوع النووي خارج إلغاء طهران أي تهديد. وهنا ترى إسرائيل أنَّ المطلوب هدم المواقع النووية، ونقل موجوداتها المخصّبة إلى خارج الحدود، لكن ثمة هوة بين ما هو مطلوب وما هو مطروح؛ ولذا يخشى نتنياهو أن يحين موعد الانتخابات الإسرائيلية قبل ردم هذه الهوة.
ثالثاً، في الشأن اللبناني، واضح تماماً أنَّ إسرائيل، من أجل تعزيز وضعها السياسي بل وتحصينه، تواصل «خلق واقع احتلالي» على الأرض تستثمره في حال أجبرت (!) على القبول بصفقة… وإلا فإنَّها ستواصل نسف كل فرص التفاهم!
رابعاً، عطفاً على ما سبق، يقلق إسرائيل أن يؤدّي أي اتفاق إيراني مع واشنطن إلى الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة والمقدّرة بنحو 25 مليار دولار. ويزيد قلقها إمكانية وصول الأموال المُفرَج عنها إلى حلفاء طهران و«أذرعها» في المنطقة، لا سيما أن المفاوضين الإيرانيين يصرّون على أن تشمل مفاوضاتهم وقف إطلاق النار في لبنان، ومنع إسرائيل من ضرب «حزب الله»… الأمر الذي يعزز علاقة الحزب – الوثيقة أصلاً – مع طهران.
في هذه الأثناء، تتفاقم داخل لبنان الأزمات المعيشية والاقتصادية والسياسية. وفي وجه الإصرار الإسرائيلي على التهجير والاحتلال، ورهان «حزب الله» على ارتباطاته الإقليمية… يتأكد العجز الرسمي والانقسام الشعبي وتسابق بعض الساسة المُسترئسين والمُستوزرين على استجداء التأييد الخارجي!

