بين منطقِ السلاح ومنطق الأسواق، تبدو منطقةُ الشرق الأوسط اليوم أمام تحولات قد تعيد تعريفَ العلاقة مع إيران، وتعيد رسم التوازنات السياسية والاقتصادية في الإقليم لعقود مقبلة.
فالمنطقة تقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإمَّا أن تنزلقَ نحوَ سباقِ تسلحٍ طويل ومدمر يستنزف مواردَ الدول ويُبقي المنطقةَ رهينة التوترات والصراعات المفتوحة، وإمَّا أن تتَّجه نحو نموذج مختلفٍ يقوم على الاحتواء الاقتصادي والتشابك الاستثماري بوصفه بديلاً عن المواجهة العسكرية المباشرة.
وفي قلب هذا التحول تبرز قضية مضيق هرمز، الذي ظلَّ لعقود أحد أهم الشرايين الاستراتيجية للطاقة العالمية. غير أنَّ الحرب الأخيرة أظهرت توجهاً خليجياً متزايداً نحو إنشاء مسارات تصدير بديلة عبر بحر العرب والبحر الأحمر والبحر المتوسط، بما يحد تدريجياً من قدرة إيرانَ على استخدام المضيق ورقة ضغط جيوسياسية أو أداة تهديد للاقتصاد العالمي.
ومن هنا، قد تدخل المنطقةُ مرحلةً جديدة تقوم على تحويل إيران من مركز اشتباك عسكري دائم إلى ساحة نفوذ اقتصادي واستثماري واسع، تشارك فيه الولايات المتحدة والصين ودول الخليج ضمن بيئة أكثر استقراراً وأقل ميلاً إلى الحروب المفتوحة.
وقد حملت بعض الإشارات السياسية والإعلامية دلالات رمزية على هذا الاتجاه، خصوصاً المشهد الذي ظهر فيه العَلَم الأميركي على خريطة إيران، في رسالة توحي بأن مستقبلَ الصراع قد ينتقل من ميدان المواجهة العسكرية إلى ميدان النفوذ الاقتصادي والاستثماري.
وتقوم هذه الرؤية على فرضية أنَّ إدخال إيران في شبكة مصالح اقتصادية دولية ضخمة قد يكون أكثر فاعلية من الحروب والعقوبات في تغيير سلوكها الإقليمي، إذ إن ربط الاقتصاد الإيراني بمشاريع واستثمارات كبرى سيجعل الاستقرار شرطاً لبقاء هذه المصالح واستمرارها.
وفي هذا السياق، لن تكون الولايات المتحدة وحدها اللاعب الاقتصادي المحتمل داخل إيران، بل إنَّ الصين ستكون أيضاً شريكاً أساسياً في أي بيئة مستقرة وآمنة، بحكم مصالحها الاستراتيجية ومشاريعها الاقتصادية الكبرى في المنطقة. كما أنَّ وجود استثمارات أميركية وصينية متزامنة قد يوفر درجة أعلى من الضمان والثقة للمستثمر الخليجي، لأن توازن المصالح بين القوى الكبرى يخلق بيئة أقل عرضة للانهيار أو التصعيد المفاجئ.
لكن هذا الطرح يواجه عقبات كبيرة ومعقدة، في مقدمتها طبيعة النظام الإيراني نفسه، وبنية «الحرس الثوري»، وشبكات النفوذ الإقليمية التي تشكلت خلال عقود من الصراع، فضلاً عن انعدام الثقة العميق بين طهران وواشنطن، واستمرار المخاوف الخليجية من التوحش الإيراني التوسعي والانتقامي حتى في حال حدوث انفتاح اقتصادي.
كما أنَّ نتائج الحرب الأخيرة، وما تمخضت عنها من خسائر قاسية داخل بنية القيادة الإيرانية، أوجدت واقعاً جديداً يفرض على صانع القرار الإيراني مراجعة أولوياته الاستراتيجية. فإيران تجد نفسها اليوم أمام تحديات داخلية واقتصادية واجتماعية متراكمة، إلى جانب ضغوط خارجية متزايدة، مما يجعل إعادة بناء الاقتصاد وتحسين مستوى معيشة المواطن الإيراني ضرورة تتقدم على كثير من الشعارات الثورية التقليدية.
ومن هنا، قد يصبح جذب الاستثمارات الأجنبية، وفتح الأسواق، وتخفيف التوتر مع الولايات المتحدة ودول الخليج، خياراً لا يتعلق فقط بتحسين الاقتصاد، بل أيضاً بتوفير حماية ذاتية للنظام من أي تحولات داخلية محتملة قد تنشأ نتيجة استمرار العزلة والعقوبات والتدهور المعيشي.
فالدول التي تدخل في شبكات المصالح الاقتصادية الكبرى تصبح أقل ميلاً إلى المغامرات العسكرية، لأن الاستقرار يتحول إلى شرط لبقاء الاقتصاد، وبقاء الاقتصاد يتحول بدوره إلى عنصر أساسي في استقرار النظام السياسي نفسه.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع إيران فعلاً الانتقال من عقلية «الدولة العقائدية المقاتلة التي استنزفتها الصراعات الطويلة » إلى عقلية «الدولة الاقتصادية»، أم أنَّ التناقض بين المشروعين سيبقى عائقاً يمنع أي تحول جذري في طبيعة دورها الإقليمي المتعثر؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل إيران وحدها، بل ربما تحدد شكل الشرق الأوسط بأكمله خلال العقود المقبلة.
* مسؤول عراقي سابق

