علي قدمٍ وساقٍ تجري أحداث انعقاد الجمعية العمومية لأبناء الدين الحنيف… في دور انعقادها السنوي العادي… تحت شعارها الخالد (لبيك اللهم لبيك)… بعد اكتظاظ نصابها من أولئك الذين استطاعوا إليها سبيلاً.. بمقرها الدائم والوحيد بمكة المكرمة… وفق جدول أعمال إلهي يصل إلى ذروته على جبل عرفات… بمشاهد تفجّر الدموع وتذيب صخر الفؤاد.
وقد بات لزاماً على الأمة أن تقف على تجليات هذا “المؤتمر العظيم” يوم الحج الأكبر… والذي لا يقتصر على بعده الديني والروحي وإنما يمتد للحياة بمعناها الأشمل، وهو الأمر الذي قرره القرآن الكريم في الوثيقة التأسيسية لهذا المؤتمر.. (..لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ..).
في هذا الجمع الفريد.. تشاهد أشكالاً من البشر لم تر أشباها لها من قبل إلا على الشاشات، تختلف ألوانهم وألسنتهم وأصواتهم، غير أنك تجزم بأنك تدرك كل ما يقولون وكل ما يرجون، إذ تربطك بهم لغة لا يحتاج فهمها إلى مفردات لغوية، ولا إلى ألسنة ناطقة.
لأجل هذه “الجمعية العمومية” الفريدة عرفت الدنيا أصدق وأهم وأصرم المعاهدات الدولية، فى زمان لم يكن يُعرف فيه ما يسمى “القانون الدولي” ولكنه كان أكثر صدقاً وفروسية وشهامة، فكانت الأشهر الحرم التي تُمنع فيها الحروب ويعظم حرمتها كل الفرقاء، بل ويشدد الدين الإسلامي -دين السلام- على من كانت تسوّل له نفسه انتهاك هذه المعاهدة.. ويُنص على عظم هذا الذنب “… قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ… ” وذلك كله قبل أن يعرف الإنسان عبارات “وقف إطلاق النار”… أو “الهدوء المشوب بالحذر”… أو “انهيار الهدنة”.
وفي برنامج المؤتمر الأعظم هذا العام.. وتحت بند ما يستجد من أعمال، تفرض الحرب الدائرة رحاها بالخليج وجودها على نفوس الحجيج، هذه الحرب التي أثرت على عددهم وإجراءات سفرهم وروّعت آخرين … رأوا بسبب الحرب في الحج مخاطرة أرادوا تجنبها.
سنجد ممثلين لكل الدول المتحاربة والمتضادة في مواقفها … يتوحدون في زيٍّ واحد، وصعيدٍ واحد، ودعاءٍ واحد، ليجدوا أنفسهم بصدد ردٍ عمليٍّ على ما يحاول الكثيرون إثارته… بأن الحرب الدائرة هي حرب دينية… من أجل نصرة دين أو مذهب.
ليست حرباً بسبب الدين أو من أجله.. وإن أطلقت إيران على مركزها الإعلامي (خاتم المرسلين).. وليست حرباً دينية وإن اقتبس “حزب الله” اسمه من الآية الكريمة.. وليست حرباً دينية وإن رأى البعض في دعوة خطيبٍ من فوق المنبر يتوسل فيها ببنت النبي –صل الله عليه وسلم- موقفاً معلناً من الصراع.. وليست حرباً دينية وإن رأينا قارئ قرآن يتحول إلى مطرب بأغنية تعج بالإشارات الدينية تحت عنوان “تبت يدا إيران”… وليست حرباً دينية وإن انتقد “نيتنياهو” إيران بحجة أنهم يسبون الصحابة رضوان الله عليهم … وليست حرباً دينية وإن جمع “ترامب” في غمارها رجال الدين بمكتبه في ظهور علني يدعون له ويرقونه بالترانيم وبالألحان الكنسية.. وليست حرباً دينية وان هرع الملك البريطاني “تشارلز” فجأة وهو بمثابة الأب الأعلى للكنيسة البروتستانتية.. لزيارة تابعه “ترامب” البروتستانتي، في مؤازرة خفية بعد مشادة الأخير مع بابا الفاتيكان رأس الكنيسة الكاثوليكية.
فالحرب التي لم تضع أوزارها بعد، هي صراعً على النفوذ والسيطرة بامتياز، ولا علاقة لها بالأديان, إذ يضم كل من معسكريها خليطاً من المسلمين والمسيحيين واليهود والبوذيين والكونفوشيوسيين والملاحدة، وبالطبع ليس تبرئة الحرب عن كونها دينية وصماً لها وانما هو تعريفٌ ضروريٌ للوقوف على محدداتها الحاكمة, ومنع اختلاط السياسي بالمقدس.
إن المحاولات المستميتة لإعطاء هذه الحرب الصبغة الدينية هي حيلة قديمة تهدف إلى إقحام الدين بالمعادلة السياسية، والزج به في ساحات الحروب، لاستمالة أصحاب الوازع الديني، مثلما حدث حينما رفع أحد الفريقين المصاحف على أسنة الرماح في موقعة “صفين” طالبين التحكيم بما جاء بالمصحف، وكان ذلك محض حيلة سياسية أسفرت عن نتائج ما زالت تلقي بظلالها على التاريخ الإسلامي… وكذلك كانت الحروب الصليبية التي كان هدفها الحقيقي تلبية طموحات النبلاء والسيطرة على طرق التجارة، لكنها تسترت بالدين واتخذت منه وقوداً… فرفع “ريتشارد الأول” شعار “الله يريد ذلك” واتخذ من الصليب رمزاً.
إن عظمة وروحانية ومهابة وعالمية يوم “الحج الأكبر” ليتيح فرصاً عظيمة لرواده بسلوكهم وللقائمين عليه بخطابهم.. لترسيخ قيم السلام العالمي الذي حمله صحيح الدين الإسلامي، ونشر مفاهيم التعايش وقبول الأخر، في إطار إعطاء الصورة الصحيحة للإسلام في مواجهة من يسيئون إليها بمفاهيمهم السقيمة.
نحن بحاجة إلى الدعاء للبشرية جمعاء دون تفرقة، متخذين من سيدنا ابراهيم -المؤذن الأول بالحج- العظة والقدوة…حين دعا بالخير مختصاً المؤمنين وحدهم فاستدركه ربه، فعندما قال ” وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ” استدركه المولى -عز وجل- بقوله ” وَمَنْ كَفَرَ ..”.
فاللهم إنا نسألك في يوم الحج الأكبر أن تسبغ السلام على كل خلقك في كل إرجاء الأرض، وأن تحقن بفضلك دماءهم، وأن تبعد الخراب بقدرتك عن عالم خلقته فأبدعته وأحسنته صنعاً… فقد ورد لنا عن قدس ذاتك بالحديث القدسي “إن الصانع لَيَغَار على صنعته”.

