بمجرد أن رأيت مريضي في غرفة الانتظار، أدركت أنني سأضطر إلى إدخاله إلى المستشفى. لم يكن يتنفس بالضرورة بصعوبة شديدة، ومع ذلك كان هناك شيء في هيئة تنفسه لفت انتباهي، أو ربما كان السبب تعبيرات وجهه. عيناه بدتا أكثر حيرة، وشفته أكثر صرامة وثباتاً عن المعتاد.
في الواقع، كل طبيب وممرض عايش مثل هذه التجربة: نظرة واحدة إلى المريض تكفي للإحساس الفوري بأن هناك خللاً ما في وظائف جسده. يحدث هذا كثيراً في طب الرعاية الأولية، حيث نعرف مرضانا لسنوات، وأحياناً لعقود؛ فنحن نعرف طريقة مشيهم، ووتيرة نبضات قلوبهم، وتحاليل دمهم. ونعرف كذلك متى يكون هناك أمر خطب ما.
ومثلما الحال مع معظم الأطباء هذه الأيام، بدأت أستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي الطبية في عملي. وأصبح من السهل للغاية كتابة وصف سريع لرجل يبلغ 86 عاماً يعاني من فشل القلب والسكري والنقرس، ثم إضافة بعض نتائج الفحوصات لنرى ما الذي سيقترحه النظام.
وبالتأكيد، أقدّر قدرة الذكاء الاصطناعي على طرح خطوات سريعة للتقييم السريري، أو اقتراح تشخيصات نادرة، أو حتى كتابة خطاب قوي للاعتراض على رفض شركة التأمين. ومع ذلك، تبقى المشكلة أن الذكاء الاصطناعي يقيّم مجرد متوسط إحصائي لرجل يبلغ 86 عاماً ويعاني من تلك الأمراض، لكنه لا يقيّم ذلك الرجل المحدد، الذي أنظر إليه الآن داخل غرفة الانتظار.
وعليه، فإن ثمة فجوة شاسعة بين «المريض»، الذي يحلله الذكاء الاصطناعي، والمريض الحقيقي، الذي يقيّمه الطبيب أو الممرض. ويشبه التعامل مع هذه الفجوة ما يواجهه الكتّاب كذلك؛ فعندما أتولى، على سبيل المجاز، مهمة «تشخيص» جودة النصوص الأدبية للنشر في المجلة التي أحررها، أبحث عن شخصيات مكتملة الأبعاد، ذات حضور جسدي ملموس وتعقيد عاطفي نابض بالحياة. هذه التفاصيل لا تطرح دوماً بشكل مباشر، بل تُستنتج من الإشارات الدقيقة والتلميحات. وما أدركته مع مرور السنوات، أن هذا لا يختلف كثيراً عما يفعله الطبيب عند تقييم صحة مريضه.
وهنا على وجه التحديد يكمن القيد الجوهري للذكاء الاصطناعي بمجال الطب؛ فمن المستحيل – على الأقل في الوقت الراهن – أن تتمكن هذه الأدوات من رؤية المريض بكل أبعاده الإنسانية. وليس بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يدرك كيف يؤثر ألم الابن المدمن والمنفصل عن أسرته على ضغط الدم. ولا يمكنه أن يأخذ في الاعتبار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة في التزام المريض بتناول أدويته. كما أنه عاجز عن تقدير الحزن العميق لفقدان شريك الحياة، ذلك الحزن الذي يؤثر على قرارات المريض الصحية أكثر بكثير من أي إرشادات طبية.
وعليه، ورغم أن الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة، خصوصاً في التعرف على الأنماط وتنظيم البيانات، فإن «المرضى»، الذين يتعامل معهم يشبهون شخصيات نمطية، تتشارك بعض الصفات السطحية مع المرضى الحقيقيين، كما تتشابه بطلة رواية رومانسية تجارية مع بطلة رواية «آنا كارينينا» فقط في عدد الأطراف.
قد يكون الذكاء الاصطناعي سريعاً في اقتراح خطة علاج، وربما تكون صحيحة، لكن الطبيب يظل صاحب الكلمة الأخيرة بخصوص كيف يمكن تطبيق هذا العلاج على الشخص الجالس أمامه، أو حتى ما إذا كان العلاج مناسباً من الأساس. وهذه قرارات يستحيل اختزالها في خوارزمية.
من السهل أن تكون مثقفاً بالمعنى النظري – وربما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات تحتكران بالفعل معالجة المعلومات – لكن من الأصعب بكثير أن تكون حكيماً، وأن تعرف كيف تستخدم هذا الكم الهائل من المعرفة. وعندما ندرّب الجيل المقبل من الأطباء والممرضين، ربما سيخالجنا قلق أقل بشأن الذكاء والمعرفة (فهم أذكياء بما فيه الكفاية، ويمكنهم البحث عن أي معلومة يحتاجون إليها)، لكن علينا أن نساعدهم على تنمية الحكمة: كيف يستخدمون هذه الحقائق؟ وكيف يوجّهون كل مريض عبر دوامة مرضه الخاصة والمعقدة؟
إن استيعاب تعقيد الشخصية الإنسانية، السبب الذي يجعل العلوم الإنسانية الطبية لا تقل أهمية عن مهارات الذكاء الاصطناعي للأطباء الصاعدين. في الواقع، جرى تصميم الذكاء الاصطناعي ليمنحنا إجابات تبدو مؤكدة، لكن الطب السريري بعيد كل البعد عن اليقين. إن التعامل مع الغموض وعدم اليقين والتناقض، المجال الذي تتفوق فيه العلوم الإنسانية ـ بالضبط السبب الذي يجعل الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن أن يحل محل الرعاية الطبية الكاملة.
لقد أدخلت مريضي إلى المستشفى بسبب قصور في القلب، لكن تبين لاحقاً أن وظائف كليتيه قد تدهورت بشكل كبير، وكان ذلك على الأرجح نتيجة أزمة عائلية مؤلمة، قلبت عاداته الغذائية رأساً على عقب. ربما كان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يقترح نموذجاً لعلاج قصور القلب، بل وربما يوصي بغسل الكلى، لكنه كان سيفشل في تحديد ما إذا كان غسل الكلى سيحسن أو يسيء جودة حياة هذا الرجل البالغ 86 عاماً. كما أنه لن يكون ذا فائدة تذكر في التعامل مع الأزمة العائلية، التي تحمل أهمية أكبر في حياة مريضي من حالة كليتيه المتدهورتين.
موجز القول قد يكون الذكاء الاصطناعي عنصراً مساعداً في قصة المريض، لكن فهم الشخصية الإنسانية يظل جزءاً لا غنى عنه من التشخيص الدقيق والعلاج الفعّال. وفي اللحظة التي تتكشف فيها معاناة المريض أمامنا، نصبح نحن الأطباء والممرضين جزءاً من قصته كذلك.
أما قصتي المشتركة مع هذا المريض فقد استمرت لما يقرب من 25 عاماً. وهذا أمر يُشبه المعجزة في ظل نظام صحي شره، لا يشجع على الرعاية الأولية. وأنا سعيد بوجود الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة، لكنني أشد امتناناً لسماع نبض قلب مريضي الوفي في كل مرة أضع فيها السماعة الطبية على صدره.
* أستاذة في كلية الطب بجامعة نيويورك
* خدمة «نيويورك تايمز»

