لم يعد السؤال النووي في الشرق الأوسط سؤالاً تقنياً عن تخصيب اليورانيوم أو امتلاك المفاعلات، بل صار سؤالاً سياسياً واستراتيجياً أكثر عمقاً: هل تبحث الدول عن الردع لحماية كيانها، أم تبحث الأنظمة عن مظلة أخيرة لحماية بقائها؟ بين هذين المعنيين تشكلت خلال عقود طويلة مآلات مختلفة؛ دول عبرت العتبة النووية وفرضت أمراً واقعاً، وأخرى دُمرت أو حوصرت أو استُنزفت قبل أن تبلغ تلك العتبة.
يقوم النظام النووي العالمي على مفارقة كبرى: 5 قوى شرعت لنفسها امتلاك السلاح النووي، ثم بنت حول العالم منظومة لمنع الآخرين من الوصول إليه، هذه المنظومة ليست عادلة تماماً، لكنها مؤثرة، فمنذ معاهدة عدم الانتشار، أصبح امتلاك القنبلة مشروطاً بما هو أبعد من التقنية: الموقع الجغرافي، شبكة التحالفات، قدرة الدولة على احتمال العقوبات، حسابات القوى الكبرى، لذلك استطاعت الهند وباكستان، ثم كوريا الشمالية، أن تعبر الطريق الصعب، فيما تحول المسار النووي في العراق وليبيا وإيران إلى مصدر صدام مع العالم.
العراق في عهد الرئيس صدام حسين لم يطارد التكنولوجيا النووية بعقل الدولة، بل بذهنية السلطة المطلقة، حيث كان البرنامج جزءاً من وهم القوة الذي دفع النظام إلى عسكرة المجتمع وخوض حروب متتالية، انتهى بها المسار بضرب المفاعل العراقي عام 1981، ثم بحرب الكويت والعقوبات الطويلة، وصولاً إلى اجتياح 2003، لم يحمِ المشروع النووي الدولة العراقية؛ بل أسهم، مع سياسات النظام، في عزلها وإضعافها وتحويلها إلى ساحة مفتوحة للتدخلات والانهيارات.
ليبيا قدّمت نموذجاً آخر، فقد تخلّى القذافي عن برنامجه النووي عام 2003 ظناً أن الصفقة مع الغرب قد تمنح نظامه شرعية وحماية، لكن ما حدث لاحقاً أظهر أن المشكلة لم تكن في البرنامج وحده، بل في هشاشة الدولة واختزالها في شخص الحاكم. التخلي عن النووي لم ينقذ النظام، كما أن امتلاكه لم يكن سينقذ الدولة، هنا تتضح القاعدة: السلاح لا يعوض غياب المؤسسات، ولا يمنح الشرعية لمن لم يبنِ عقداً سياسياً سليماً مع شعبه.
وأخيراً، إيران اليوم هي النموذج الأكثر تعقيداً، فهي ليست عراق صدام، ولا ليبيا القذافي، ولا كوريا الشمالية المغلقة تماماً، إنها دولة ذات تاريخ عميق ومجتمع حي وموارد واسعة وشبكة نفوذ إقليمية، لكنها أدارت ملفها النووي وسط ازدواجية خطيرة: خطاب يؤكد سلمية البرنامج، وسلوك إقليمي يثير الريبة عبر الصواريخ والأذرع المسلحة والتدخلات الممتدة من العراق إلى لبنان وسوريا واليمن. لذلك لم يعد الغرب وإسرائيل يتعاملان مع التخصيب باعتباره ملفاً فنياً منفصلاً، بل جزءاً من منظومة قوة تريد تغيير ميزان الإقليم. ومع تصاعد التوترات وقيود التفتيش وارتفاع مستويات التخصيب، بات البرنامج الإيراني أقرب إلى أزمة استراتيجية مفتوحة منه إلى ملف تفاوضي تقليدي.
في المقابل، تقف إسرائيل بوصفها النموذج الأكثر حساسية في المنطقة، فهي لا تعلن رسمياً امتلاك السلاح النووي ولا تنفيه، لكنها تُعامل عملياً كقوة نووية بحكم الأمر الواقع، هذا الغموض منحها تفوقاً ردعياً، لكنه خلق في المقابل شعوراً عميقاً بالاختلال لدى خصومها، غير أن الردّ على اختلال كهذا بمشاريع نووية آيديولوجية لا يصنع توازناً آمناً، بل يفتح الباب أمام سباق أكثر خطورة في منطقة قابلة للاشتعال.
الهند وباكستان تقدمان مقارنة مختلفة، فقد امتلكتا السلاح في ظل صراع مباشر بين دولتين متجاورتين، لا في إطار مشروع آيديولوجي عابر للحدود، صحيح أن الردع النووي لم ينهِ التوترات ولا الحروب المحدودة، لكنه فرض سقفاً للانفجار الشامل. أما كوريا الشمالية فقد جعلت القنبلة بوليصة تأمين للنظام، لا مشروع رفاه للدولة. نجت السلطة، لكن المجتمع دفع ثمن العزلة والفقر والخوف، وهذه ليست وصفة نجاح، بقدر ما هي درس في التكلفة الباهظة حين تصبح القنبلة بديلاً عن التنمية.
من هنا تبرز عقلانية دول الخليج العربي وعدد من الدول الأخرى التي امتلكت الثروة والعلاقات الدولية والقدرة على شراء التكنولوجيا، لكنها لم تجعل من «النووي» العسكري مشروعها المركزي، اختارت هذه الدول، بدرجات متفاوتة، أن تبني قوتها عبر الاقتصاد والطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا، وأن تشتري أمنها عبر التحالفات، لا عبر مغامرات سرية تقود إلى العقوبات والضربات، فالدولة التي تبني جامعة وميناء وصندوقاً سيادياً ومركزاً للتكنولوجيا تملك مستقبلاً أمتن من نظام يحفر منشأة تحت جبل وينتظر الضربة التالية.
أما الغرب وروسيا، السوفياتية ثم الحالية، فقد تصرفا غالباً بمنطق مزدوج، كلاهما استخدم ملفات السلاح والطاقة والتحالفات لتوسيع النفوذ، وكلاهما يخشى في الوقت نفسه انتشاراً نووياً خارج السيطرة، لذلك قد تتصارع القوى الكبرى على المنطقة، لكنها تلتقي عند منع الفوضى النووية، ومن لا يقرأ هذه الحقيقة يدفع ثمن الوهم مرتين: مرة حين يظن أن الحليف سيحميه بلا حدود، ومرة حين يكتشف أن «النووي» ليس مجرد تقنية، بل امتحان لقدرة الدولة على إدارة التكلفة.
الخلاصة أن الردع لا يكون خطيئة حين تديره دولة رشيدة، لكنه يصبح فخّاً حين تستخدمه سلطة خائفة من شعبها ومن محيطها، السلاح النووي لا يعوض غياب الشرعية، ولا يبني اقتصاداً، ولا يصلح عقداً اجتماعياً مكسوراً، قد يمنح النظام وقتاً إضافياً، لكنه لا يمنح الدولة مستقبلاً، ولذلك ليس السؤال الأهم في الشرق الأوسط: من يملك القنبلة؟
بل: من يملك عقل الدولة قبل أن يملك أدوات القوة؟

