لبنان على الشاطئ، منهك خائر القوى، وقطعة منه مغمورة بالماء وراغبة فى الانتحار. أطاحه الموج مؤقتا، وقد يسحبه بشكل فجأة، والمشكلة أن سبيكته لم يعد يعمل فيها قانوننا للطفو والغرق.
اتفاق من عَلٍ، لا عن بأس يحوزه حزب الله الذى ورّط البلد بكامله، ولا عن توازنٍ حربى أو سياسى على جانبى الحدود. وإصبع نتنياهو على الزناد، وعينه فى طهران، والخشية أعلى على غزة.
واستدعاء الأخيرة ليس لاستذكار مأساة الطوفان؛ إنما تحسّبا من أن تختبر فصلا جديدا فيها. وقد قضت على نفسها منذ لعنة السنوار، بأن تكون ورقة مطوية فى جيوب الآخرين، ولا تُرَى بمعزل عن بقية الساحات.
تلقفت حكومة اليمين الهدية، وما قصّرت فى استغلالها بأبشع الصور.. هولوكوست فى القطاع، تمتد شرارته للضفة، ولحظة غباء من “نصر الله” فى ضاحية بيروت الجنوبية، تفتح الطريق رأسا إلى عاصمة الملالى.
راهن عجوز الليكود على إطالة الحرب لأطول فترة ممكنة؛ فيكوى الوعى ويُعيد هندسة معادلة الردع، فضلا على اللعب فى الخرائط وتوازناتها، وشغل عقول الإسرائيليين بالمعارك ونجاحاتها؛ لينسوا الإخفاقات والفشل والفساد.
لن يترك فسحة دون قتال، وغايته أن يذهب للانتخابات بغبار الميدان، أو أقلّه أن يكون خروج الناخبين من المخابئ وأجواء الحرب للصناديق مباشرة!
وإذ تحتكر واشنطن القرار بشأن الجبهة الإيرانية، وفرضت عليه الهدنة فى لبنان؛ فإنه فى انتظار ما ستسفر عنه المقاربات الهشة، وإما تُرفَع البنادق فى إحداهما أو كلتيهما، وإما يكون البديل جنوبا مع حماس.. فكأنها حرب واحدة، بجبهات متصلة فى الفوضى، منفصلة فى الهدوء.
والحركة على استعصائها القديم. تراهن على تقطيع الوقت، وتضمر غير ما تُعلن. وقّعت على خطة ترامب، وتناكف فى بعض بنودها. أقرت بالتخلى عن الإدارة، ما يشمل الرمزية والسلاح والأدوار الأمنية؛ لكنها تماطل فى انتظار مصادفة تعلم تماما أنها لن تأتى.
والحال؛ أن الاحتلال يُعطّل بعض تفاصيل الاتفاق، ولم يُوَفِّ ما عليه فى نقاطٍ عدّة؛ غير أن الفصائل ليست طرفا فيها، ولن تنتفع منها أو تُضار؛ طالما توقن أنها خارج المشهد فى كل الأحوال.
عُزلت غزة عن حظيرة المُمانَعة بالحديد والنار؛ على أنها ما تزال متأثرة بصراعها مع الصهاينة، وذلك لأن العدو المشترك يتّخذها رهينة دائمة، ويدّخرها لتعويض ما قد يُضطر لتركه بعيدًا، واستبقاء قدرته على رفع حرارة الإقليم.
طهران لا تنظر للمأساة الفلسطينية من أية زاوية؛ بدليل أنها لم تشتبك لصالحها، ولا وضعتها بين شروط التفاوض فى أية جولة خفية أو معلنة. القضية مجرد ذريعة لها، واستدراجها بالأصالة أسقط حاجتها للابتزاز بالعاطفة.
والمفارقة أنها تعاملت مع الحزب بالطريقة ذاتها. أجبرته على الإسناد، وأسكتته لخمسة عشر شهرا بعد اتفاق 2024، ثم ورطته فى مارس الماضى لتخفيف الضغط عنها، وأبرمت اتفاق تهدئة بمفردها، ودون انشغال بمصيره، ولا خوف من ردّة فعله؛ لأنه مربوط بها وجوديا، وتستعبده بالأيديولوجيا وولائه للولىّ الفقيه.
والحجّة الدامغة أنها توافقت مع الشيطان الأكبر ليل الثلاثاء؛ فبدأت إسرائيل التصعيد الوحشى على حليفها وبيئته فى اليوم التالى، وذهب وفدها الضخم لإسلام آباد السبت، وفشلت المفاوضات لاختلافات لم يكن لبنان منها، ثم فتحت مضيق هرمز بتسوية ثنائية، وأغلقته ردًّا على الحصار، بعد ساعات من إعلان هدنة لم تكن طرفًا فيها بين بيروت وتل أبيب.
سعت واشنطن إلى فك ارتباط الجبهات، والقضاء على تلازم مساراتها؛ مع حقيقة أن الحزب يظل طابورا خامسا للإيرانيين فى لبنان، ولن يتغير؛ لأن ولاءه للمرشد الأعلى يفوق انضواءه تحت سقف الدولة واحترامه لدستورها. ولا يعنيه لو أُبيد البلد بمَن فيه؛ طالما سادته ومُموّلوه بخير، ويتربحون من تخريب أوطان الآخرين.
قالت الميليشيا فعلاً إنها غير مَعنيّة بكل البنود، وسترد حسبما ترى. غير أنها ابتلعت لأكثر من سنة سابقًا دون رد، ويمكن أن يتكرّر الصمت؛ لو أمَر ولاةُ الأمر من حرس الثورة.
هكذا تبدو الضاحية ساحة اختبار أمريكية إيرانية. الأولى تقيس جدية طهران بضبطها للحزب، ما يعنى وحدة قرار طهران. والثانية تُقيّم كفاءة الكوابح الترامبية لانفلات نتنياهو؛ ما يطمئنها على استدامة أية صفقة محتملة، دون تشغيبٍ من الصهاينة.
ويظل الخطر قائمًا، بسوء التقدير أو الاستدراج بين الخصمين، وربما نزوع رعاتهما لاستكمال عضّ الأصابع وتبادل رسائلهما الخشنة فى صندوق لبنان. ولدى زعيم عصابة الحكم الإسرائيلية هامش للهرب جنوبا، وفتيل جاهز فى غزة.
يتواصل التفاوض بين الأمريكيين والفرس كدليل على فشل المسارين: الحرب والسياسة. لا أحد منهما قادر على الحسم، ولا راغب فى تقديم التنازلات الواجبة لأجل التسوية.
ذهبت إيران للحوار بشعور المنتصر، وتحاول التعويض عن هزيمة الميدان على الطاولة، والعكس بالنسبة للولايات المتحدة. والوسطاء عاجزون عن تبديل المقاعد والأدمغة، أو المُقاصّة بين الوقائع والأهداف وخيارات الجانبين.
وغالبُ الظنّ أن المنطقة على موعدٍ مع أزمة مُزمنة، وأقصى ما يُمكن، أن يُدار الصراع لا أن يُحَلّ، ويُبدِّل اللاعبان الأوراق وأساليب المناورة لإرجاء المواجهة، ما يجعل الجمود خيارا مرحبا به.. أو تحدث مُتغيّرات طارئة تجبر أحدهما أو كليهما على التنازل.
لا يمكن للطرفين أن يعيشا معا، ولا بد من أن يقضى أحدهما على الآخر؛ ماديا أو معنويا. نادت واشنطن وإسرائيل بإسقاط النظام؛ ثم تراجعتا فى انتظار أن يتآكل داخليا.
وإيران تنتظر التغيير بالانتخابات، رهانا على رحيل نتنياهو وتقويض سلطة ترامب، لأن الديمقراطية فى البلدين ستحاسبهما، وذلك مع بقاء مجتبى وجماعته؛ فكأنها تُطيل الصبر؛ حتى تربح بالشموليّة!
لا رابح حتى الآن، والجميع خاسرون. لا الصمود انتصار، ولا تسييل الخرائط مُغامرة مأمونة العواقب. والمستقبل سيُعاقب المُغامرين والأغبياء بلا استثناء!

