في الماضي، حين لم تكن من وسائل التنقل والاتصال إلا الإبل والخيل، ولم نكن نعرف شيئاً اسمه المطبعة أو الصحيفة أو الإذاعة، كانت الثقافة العربية نشاطاً حياً متواصلاً متكاملاً ممتداً من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب يقطع المسافات، ويعبر الصحاري والتلال والجبال، ويسافر ويقيم، ويتقدم ويتطور، ويتحاور بعضه مع بعض، ويصبح فِرقاً ومذاهب تتفق وتختلف، وتتعرف على الثقافات الأخرى، وتقتبس منها وتضيف إليها كما فعلت مع ثقافات الفرس والهنود واليونانيين، وكانت تنشئ علوماً جديدة لم يكن لها وجود من قبل، كالجبر وهو من الرياضيات التي اكتشفها الخوارزمي، وعلم الاجتماع الذي ظهر أول ما ظهر على يد ابن خلدون، وهكذا ظلت الثقافة العربية تعمل وتنتج، وتضيف وتبدع شعراً ونثراً، وفقهاً وفلسفة، وتأليفاً وترجمة. ومع أن العالم العربي – الإسلامي فقد وحدته السياسية التي تحققت له في أيام الأمويين والعباسيين وأصبح دولاً وإمارات متعددة، فقد ظلت الثقافة العربية محافظة على وحدتها ونشاطها واتصال بعضها ببعض.
والآن؟ لدينا كل وسائل التنقل والترحل، وكل أجهزة الطبع والنشر والإذاعة والاتصال، فضلاً عن الوزارات والهيئات والمؤسسات المشتغلة بالثقافة والتعليم والإعلام، لكن الثقافة العربية التي كانت كياناً واحداً ينمو ويتواصل ويتكامل أصبحت في هذه المرحلة الأخيرة من تاريخنا ونحن أشد ما نكون حاجة إليها -لأننا في أشد الحاجة إلى التوافق والتضامن- أصبحت أنشطة قُطرية متفرقة. فمن الطبيعي أن تتراجع جزءاً وكلاً؛ لأنها لا تنشط ولا تزدهر إلا وهي حاضرة بكل كيانها، متمثلة ذاتها في الماضي والحاضر والمستقبل. لغة واحدة، وتراث واحد، وهموم مشتركة، وتاريخ متصل اجتمعت فيه أجناس مختلفة وثقافات متعددة امتزجت وتوحدت، وصارت جسداً حياً يعيش ويعمل، ويعبّر عن ذاته، ويكشف عن طاقاته، ما دام وفياً لصورته التي ظهر بها للوجود، فإن فقدها فبأي صورة ينشط ويزدهر؟
***
هذا الخوارزمي الذي استشهدت به في السطور السابقة، مَن يكون؟ ما هو أصله؟ وكيف أصبح عَلَماً من أعلام الثقافة العربية؟
الخوارزمي أصله من خوارزم في تركستان. وُلد في النصف الأخير من القرن الثامن الميلادي، ووجد أمامه الطريق مفتوحاً إلى بغداد فرحل إليها في أيام المأمون، واستطاع بتشجيع من هذا الخليفة العباسي المثقف أن يدخل خزانة كتبه وينقطع فيها للقراءة والبحث، وهكذا تبحَّر في الرياضيات والفلك والجغرافيا والتاريخ، وجمع في هذه العلوم بين تراث الهند وتراث اليونان، وبهذه الثقافة الجامعة اكتشف عِلم الجبر الذي أصبح ينسب له في العالم كله. وهو، كما يحدثنا عنه الذين أرَّخوا للفكر العربي، هو الذي عرّف العرب والغربيين بنظام الترقيم الهندي. وقد اشتق الغربيون من اسمه اسماً للأرقام التي سموها «ألغورزم»، وهكذا أصبح هذا المهاجر التركستاني واحداً من العباقرة العرب المعدودين.
والذي يقال عن الخوارزمي يقال عن ابن خلدون الذي لم يكُف عن السفر والتنقل منذ وُلد في تونس في القرن الرابع عشر الميلادي لعائلة أندلسية حتى رحل. انكبّ على القراءة في علوم اللغة والدين، وفي الشعر والمنطق والفلسفة حتى تولى وهو لم يزل في العشرين من عمره ديوان الرسائل لحاكم تونس، ومنه إلى حاكم فاس في المغرب، ومنه إلى حاكم تلمسان في الجزائر، ومنه إلى بني الأحمر في غرناطة. وكان في الخمسين من عمره حين قرر أن يحج لبيت الله الحرام فسار حتى وصل إلى مصر فعُرض عليه القضاء على المذهب المالكي فقبله. لكن الفقه بالنسبة لابن خلدون كان ثقافة عامة، أما عبقريته فظهرت في بحوثه التاريخية التي خرج منها بكتابه المشهور «كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، وأهم ما في هذا الكتاب مقدمته التي تحدث فيها عن قوانين واكتشف حقائق قام عليها «علم الاجتماع» الذي أصبح ينسب لابن خلدون في العالم كله.
والذي قلناه عن الخوارزمي وابن خلدون نقوله عن غيرهما من الشعراء والفقهاء والعلماء العرب الذين كانت حياة كل منهم رحيلاً متواصلاً وعملاً دائباً وسعياً حثيثاً، ويكفي أن نشير إلى الإمام الشافعي، وللبخاري، وللشعراء المتنبي وأبي تمام، وابن هانئ الأندلسي، وغيرهم كثيرون.
***
هل كان بوسع الخوارزمي أن يكتشف «الجبر» إذا ظل في تركستان ولم يرحل إلى بغداد ولم يُتح له أن يحصّل ما حصَّله من علم وتجربة؟ وهل كان بوسع ابن خلدون أن يصل إلى ما وصل إليه في فَهم التاريخ والكشف عن قوانين «علم الاجتماع» إذا ظل مقيماً في تونس حيث ولد ولم يدخل هذه التجارب التي دخلها في البلاد التي تنقل فيها بين المشرق والمغرب، وبين العرب والبربر، وبين الأندلسيين والمصريين؟
لا أقول إن الثقافة تنهض وتزدهر بهذا الشرط وحده وهو التنقل والترحل والاتصال بالآخرين، فلا شك في أن الثقافة تحتاج إلى أكثر من هذا الشرط كي تزدهر. تحتاج إلى السؤال وإلى البحث عن الجواب، والاحتكام للعقل والتجربة، وتحتاج أيضاً إلى الاتصال بالثقافات الأخرى والانتفاع بما حصَّله الآخرون. وفي ضوء هذه الشروط ننظر في أوضاعنا الثقافية الراهنة، وقد أصبحنا نملك كل الوسائل والأجهزة والمؤسسات التي تمكننا من الاطلاع، والتواصل، والمشاركة في النشاط الذي يجمع بيننا كما كان يحدث إلى الوقت الذي كان فيه الشعراء العرب يجتمعون ليبايعوا شوقي أميراً لهم، وكان خليل مطران يُنسَب للبنان ومصر معاً ويسمَّى «شاعر القطرين»، وكان الشعراء المهجريون ينظمون أشعارهم في المهجر لتحملها الصحف والكتب إلى قرائهم في المشرق والمغرب، وكان محمد عبد الوهاب يغني قصائد الأخطل الصغير وإيليا أبي ماضي كما كان يغني قصائد شوقي وعلي محمود طه، وكان الأخطل الصغير ينظم لعبد الوهاب قصائد يجمع فيها بين العامية المصرية والفصحى «يا ورد مين يشتريك». وكان الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي مقروءاً في المشرق كما كان مقروءاً في المغرب. وكانت مجلة «الرسالة» تحتجب في مصر لتحل محلها مجلة «الآداب» في لبنان. ولا أظن أني في حاجة إلى أمثلة أكثر؛ لأنها لا تُحصى، ولأنها معروفة لدى معظم القراء.
والآن، وقد أصبحنا نملك كل الوسائل التي تمكننا من الاطلاع على الإنتاج الثقافي في أي قُطر عربي نسأل أنفسنا: ما الذي نعرفه نحن في المشرق العربي عن الثقافة في المغرب العربي؟
والجواب هو للأسف الشديد أننا لا نعرف إلا القليل عما يقدمه أشقاؤنا المغاربة. ولا أظن أن الجواب سيختلف كثيراً إذا سألت القارئ في أي قطر عربي عما يعرفه عن الثقافة في أي قطر آخر في المشرق أو في المغرب!

