كان واضحا أن هناك أزمة ثقة أدت إلى فشل جولة إسلام آباد من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، لكننى توقعت أن تكون هناك قنوات خلفية تدور من خلالها مفاوضات من نوع آخر، تختلف عن البيانات والتهديدات المتبادلة، ومخاطبة جمهور مشجعين هنا وهناك، كان واضحا أن كلا الطرفين يرغب فى الاتفاق، ولا يعول على اشتراطات أو مطالب، فقط ما بدأت به المفوضات الفاشلة فى جنيف، كان يجب أن تقوم جولة الحرب ليعرف الطرفان أنهما بحاجة إلى اتفاق، وربما تكون إيران قد خسرت كثيرا من بنيتها الأساسية وحجم الدمار، لكنها تكسب إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم والحصار المفروض لسنوات.
ويبدو أن التصعيد المتبادل بعد إعلان فشل جولة مفاوضات باكستان كان بداية تفاهمات تمت بعيدا عن الجلسات العلنية، وظهر هذا فى رسائل سياسية أعلنها الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، عندما قال إن إيران مستعدة للحرب وأيضا للسلام، ودعا أوروبا للضغط على الولايات المتحدة التى شنت الحرب، ثم إن التهديدات بين الجانبين سبقت تصريحات تشير إلى آفاق أكثر انفتاحا، ويعكس حديث الرئيس الإيرانى الأخير تحولا سياسيا مقارنة بالأيام السابقة.
والواقع أن الطرفين الولايات المتحدة وإيران، أصبحا مضطرين لتقديم تنازلات فى ظل حجم الخسائر والتداعيات، لأن استمرار الحرب لا يخدم أى طرف.
وحسب مقال جواد ظريف وزير خارجية إيران الأسبق، فى فورين افيرز، هناك داخل إيران تيارات مختلفة، بعضها يدفع نحو الحرب، بينما تتزايد الأصوات المطالبة بالحلول السياسية، وهى أطراف سياسية تدرك فداحة الخسائر التى طالت البنية التحتية والمؤسسات. فى المقابل فإن الضغوط الداخلية فى الولايات المتحدة تلعب دورا مهما فى توجيه مسار القرار السياسى، لافتا إلى أن هناك اعترافا بأن الذهاب إلى الحرب كان قرارا خاطئا.
والواقع أن جواد ظريف، وهو سياسى إيرانى يعترف بخسائر إيران، والرغبة فى إبرام اتفاق، بشرط ألا يكون مسبقا، وفى حديثه لقناة فوكس نيوز الأمريكية قال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، إن الحرب مع إيران شارفت على الانتهاء، كان علىّ أن أتدخل ولو لم أفعل ذلك لكانت إيران تمتلك سلاحا نوويا فى هذه اللحظة، وطهران بحاجة لـ20 عاما لإعادة الإعمار. فى حين تطرق نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس، إلى المفاوضات مع إيران، قائلا إن ممثليها «يرغبون فى التوصل إلى اتفاق»، وأن الرئيس دونالد ترامب يرغب فى التوصل إلى اتفاق شامل، مشيرا إلى أن هناك قدرا كبيرا من انعدام الثقة بين إيران والولايات المتحدة، ولا يمكن حل ذلك بين عشية وضحاها. وقال جى دى فانس، إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تسعى إلى إبرام «صفقة كبرى» مع إيران، تضمن تخلى طهران عن طموحاتها النووية مقابل اندماجها الكامل فى الاقتصاد العالمى، مشيرا إلى أن المفاوضات بين واشنطن وطهران التى جرت فى باكستان، السبت الماضى، حققت تقدما كبيرا، لكن «الصفقة لم تكتمل». وأن الرئيس ترامب «يريد اتفاقا شاملا مع إيران، وليس اتفاقا محدودا»، كما ذكر أن وقف إطلاق النار المستمر لأسبوعين «متماسك»، وأن المفاوضين الإيرانيين يريدون إبرام اتفاق.
وفى الوقت ذاته أبدت إيران استعدادا لمناقشة التخصيب الخاص بالتسلح، والاحتفاظ بالشكل السلمى، فى حين أشار جواد ظريف فى مقاله إلى أن النووى ثبت أنه قد لا يكون فاعلا مثل الصواريخ فى الحرب، بينما يبدو أن هناك تحركات متعددة، من بينها اتصالات أوروبية وإقليمية، قد تسهم فى إعادة دفع المفاوضات نحو مسار أكثر تقاربا، مع احتمالات انتقال مسار التفاوض إلى دول أخرى خارج الإطار الحالى، بما يشير إلى تفاؤل باتجاه إبرام اتفاق بديلا لحرب ثبت أنها حرب خاسرين بامتياز.

