فى هذه المرحلة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ووسط ضباب كثيف يغطى سماء المنطقة ويتمدد سريعا ليغطى سماء الكرة الأرضية، حاجبا الرؤية، وبعد فشل المفاوضات التى احتضنتها باكستان، لإيقاف الحرب نهائيا، وتوحش مخيف لإسرائيل، وارتفاع كبير فى منسوب الطمع عند إيران، تمثل أخطر مراحل التاريخ الحديث والمعاصر، وتؤشر بنهايات مأساوية، فى ظل اختلاط الحابل بالنابل.
الحرب الدائرة ليست أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية تعاد فيها صياغة موازين القوة، يقودها مثلث الشر، أمريكا وإسرائيل من ناحية، وإيران وأذرعها من ناحية ثانية، كل منها يتحرك وفق منطق مختلف، لكن الهدف واحد، جمع المغانم، وتوسيع دوائر النفوذ، وإعادة تقسيم الخرائط وفق مشروع كل منهم.
أمريكا، ومنذ وصول دونالد ترامب وفريقه للبيت الأبيض، رفع شعار «حسابات السوق قبل حسابات الحلفاء» ووفق التقارير الصادرة عن وزارة الطاقة الأمريكية وبيانات الأسواق، تشير بوضوح إلى أن أى قرار عسكرى مرتبط مباشرة بأسعار النفط وسلاسل الإمداد، لا باعتبارات الحلفاء والأصدقاء!
ولنعترف، أن الخليج أو أى من دول المنطقة فى العقل الاستراتيجى الأمريكى ليسوا شركاء، وإنما جزء من معادلة السوق!
أما إسرائيل، فإن مشروعها يتجاوز إيران، والأمر واضح من خلال تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذى يتحدث عن «شرق أوسط جديد»، وهناك مراكز بحثية مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وغيره، تناولت مرارا وتكرارا فكرة إعادة تشكيل الإقليم عبر تفكيك مراكز القوة التقليدية، وإعادة توزيع النفوذ، ودمج إسرائيل فى المنظومة الأمنية الإقليمية!
وتأسيسا على هذا المشروع الكارثى، فإن السؤال الثقيل ثقل الجبال يطفو على الساحة: هل الهدف إيران وفقط، أم أن طهران هى البداية؟
الإجابة عن هذا السؤال، تشى وفق أدوات المنطق، إلى أن إسقاط خصم إقليمى كبير يفتح الباب على مصراعيه لإعادة ترتيب بقية اللاعبين المحورين!
وهنا لا يمكن استثناء منطقة الخليج من هذا المخطط، بقوته الاقتصادية الهائلة، بل سيكون هدفا استراتيجيا مباشرا فى معادلة إعادة التشكيل!
على الجانب الآخر، فإن إيران تتحرك بمنطق مغاير فى الشكل، لكن لا يقل خطورة عن المشاريع الأخرى، فى المضمون.
ووفق تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن العقيدة العسكرية الإيرانية تقوم على نقل المعركة خارج الحدود، واستخدام أدوات غير مباشرة، واستهداف نقاط الضعف الاقتصادية، كنهج لاستعادة أمجاد الماضى، الإمبراطورية الفارسية!
لذلك فإن المتابع لسير الحرب التى استمرت 38 يوما، نجد إيران لا تواجه أمريكا وإسرائيل مواجهات مباشرة، وإنما تضغط على البيئة الإقليمية كلها لإعادة فرض توازن جديد.
ووسط هذه النيران المشتعلة، يدفع الأشقاء فى الخليج الثمن غاليا، ولولا الصبر والفطنة وإدراك المخاطر، وتقديرات الموقف، لكانت دول الخليج جُرت لأتون هذه المعركة الوقحة!
وبعد فشل المفاوضات، ووسط هذا الضباب الخانق، فإن المعادلة تعقدت وصارت قاسية؛ فأمريكا تبدلت حساباتها، وصار سعر البرميل فى قمة أولوياتها، خوفا من الداخل وغضب الشعب فى ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفى نوفمبر المقبل، ونزيف شعبية القاطنين فى البيت الأبيض، فى حين أن إسرائيل ترى الحرب منحة سماوية لتحقيق الوعد الإلهى «المزعوم» إسرائيل الكبرى من النهر إلى البحر.
الأيام المقبلة ستكشف عما إذا كانت المنطقة أمام مرحلة انتقالية كبرى، البعض يرى فيها بداية تراجع النفوذ الأمريكى على غرار ما حدث لبريطانيا بعد العدوان الثلاثى على مصر، من عدمه؛ وستتوارى للخلف فكرة طرح السؤال عن من يربح هذه الحرب، وسيحل مكانه السؤال الجوهرى، كيف يخرج الخليج من هذه الحرب بأقل الخسائر ودون أن يتحول إلى ساحة دائمة للصراعات، فى ظل أن الخطر لا يأتى من طرف واحد، بل من تلاقى المصالح المتقاطعة فوق أرض واحدة!
وبالمناسبة، هذه الحقائق المذكورة، تتسق مع ما دونه الباحث القطرى، الدكتور نايف بن نهار، فى تغريدة له على منصة X مؤخرا، وحصدت ملايين المشاهدات، مؤكدا أن الخليج لم يحصد أية مكاسب من ضرب غاز إيران، بل تسببوا فى إلحاق خسائر هائلة فى قطاع الطاقة فى الخليج.
وقال فى جملة موجعة إن دونالد ترامب، منشغل كثيرا بمضيق هرمز وأسعار النفط، بينما المجتمع الخليجى لا يساوى عنده برميل نفط!
كما أشار إلى أن المشاريع الثلاثة، الأمريكى والإسرائيلى والإيرانى متشابهة فى المضمون!

