ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في دورته الثامنة والسبعين، تقدّم المخرجة الألمانية ماشا شيلينسكي عملاً بصريًا متفرّدًا يتجاوز حدود السرد التقليدي، ليغوص في طبقات عميقة من الذاكرة والهوية الأنثوية عبر الزمن. “صوت السقوط” ليس فيلمًا يُشاهد بقدر ما يُعاش كحالة حسّية مركّبة، تتقاطع فيها الأزمنة، وتتداخل فيها التجارب حتى تكاد تفقد حدودها الواضحة.

من خلال أربع شخصيات نسائية تنتمي إلى أزمنة مختلفة، جميعهن يعشن في المكان ذاته – مزرعة ريفية في شمال ألمانيا – ينسج الفيلم شبكة معقّدة من العلاقات غير المعلنة، حيث لا تقوم الروابط على السرد المباشر، بل على تكرار الإحساس ذاته: ألم يتوارثه الجسد، لا الحكاية. هنا، لا يبدو الزمن خطيًا، بل دائريًا، يعيد إنتاج التجربة ذاتها بوجوه مختلفة، وكأن التاريخ الشخصي والجمعي يعيد نفسه بصمت قاسٍ.

تتخلّى شيلينسكي عن الحبكة التقليدية لصالح بنية مفتتة، تعتمد على الإيحاء أكثر من التفسير. تتوالى المشاهد كأنها ومضات من ذاكرة غير مستقرة: لحظات طفولة، اكتشافات جسدية، توترات داخلية، وصمت طويل يختزن ما لا يُقال. هذا التفكك الظاهري يتحول تدريجيًا إلى وحدة شعورية عميقة، حيث يصبح الإحساس هو الرابط الحقيقي بين الشخصيات، لا الحدث.
البيت، بوصفه الفضاء المركزي، يتحوّل إلى كيان حيّ يحتفظ بأصداء من مرّوا به. الجدران لا تؤوي الشخصيات فقط، بل تسكنها الذكريات. الكاميرا، في كثير من الأحيان، لا تنحاز إلى وجهة نظر شخصية بعينها، بل تبدو وكأنها امتداد لذاكرة المكان نفسه. وهنا تكمن قوة الفيلم: في تحويل الذاكرة إلى منظور بصري، لا مجرد موضوع.

على المستوى الجمالي، تمزج المخرجة بين الواقعية الشعرية والنبرة الكابوسية، مستفيدة من تصميم صوتي دقيق يضخّم التفاصيل الحسية – أصوات الطبيعة، وقع الخطى، الصمت ذاته – لتصبح عناصر سردية قائمة بذاتها. الصورة بدورها تحمل طابعًا تشكيليًا واضحًا، حيث تتجاور الألوان الباردة مع ظلال كثيفة، في بناء بصري يعكس هشاشة الداخل الإنساني.

الفيلم لا يتحدث فقط عن المرأة في سياق تاريخي، بل عن الوجود الإنساني في حالته الأكثر هشاشة. الشخصيات، رغم اختلاف أزمنتها، تتقاطع في شعور دائم بالاغتراب، وبأن الجسد نفسه قد يكون عبئًا أو ساحة صراع. الألم هنا ليس حدثًا طارئًا، بل حالة متجذرة، تستمر حتى بعد زوال أسبابها، كما لو أنه جزء من الذاكرة العضوية.

ورغم هذا الثقل الموضوعي، لا يقع الفيلم في المباشرة أو الخطابية، بل يظل وفيًا لأسلوبه التأملي، تاركًا للمشاهد مهمة التقاط المعنى من بين الفراغات. هذه الجرأة في الامتناع عن التفسير تمنح العمل عمقًا نادرًا، لكنها في الوقت نفسه تجعله تجربة تتطلب صبرًا وانخراطًا حقيقيًا.

“صوت السقوط” عمل سينمائي صعب، لكنه مكافئ. لا يقدم إجابات جاهزة، بل يفتح مساحات للتأمل في طبيعة الألم، والذاكرة، والهوية. فيلم يؤكد أن السينما، في أقصى تجلياتها، قادرة على التقاط ما تعجز اللغة عن قوله، وأن أكثر القصص تأثيرًا قد تكون تلك التي تُروى بصمت.
حنان فهد – مهرجان كان السينمائي 2025

