يساورني قلق شديد حيال التأثير السلبي للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال. في الواقع، ينبغي لنا جميعاً أن نشعر بذلك. إلا أنه في الوقت نفسه أشعر بالقلق من أننا في غمرة حماسنا لحماية الأطفال من هذه التأثيرات السلبية، قد نقع في انتهاك القانون وتقويض حرية التعبير. وهنا تكمن المشكلة.
الأسبوع الماضي، أصدرت هيئات محلفين في ولايتين أميركيتين مختلفتين أحكاماً بملايين الدولارات ضد شركات التكنولوجيا الكبرى. من ناحية، أصدرت هيئة محلفين في نيومكسيكو، حكماً بتعويض قدره 375 مليون دولار، في قضية رفعها المدعي العام للولاية ضد شركة «ميتا»، متهماً إياها بتسهيل الاستغلال الجنسي للأطفال.
وفي اليوم التالي، قضت هيئة محلفين في كاليفورنيا بدفع «ميتا» و«يوتيوب» تعويضاً إجمالياً لشابة، بقيمة 6 ملايين دولار؛ بسبب ما يُزعم من خصائص الإدمان والضيق النفسي الناجم عن استخدام التواصل الاجتماعي، بما في ذلك التنسيق الخوارزمي وما يُسمى التمرير اللانهائي، مع تقديم التطبيق باستمرار محتوى جديد في أثناء التمرير لأسفل الصفحة.
من جهتي، أدرك جيداً أنه من السهل الاحتفاء بهذه الأحكام؛ فأنا أب لثلاثة أبناء، وقد رأيتُ بعيني ما يحدث عندما يسقط المراهق في شرك «الإدمان على الشاشات»، ويغرق في هاتفه الذكي، دقيقةً بدقيقة، وساعةً بساعة. وعلى مستوى المجتمع من حولي، رأيتُ الانفصال عن الواقع، والانجذاب لنظريات المؤامرة، والحركات الاجتماعية والسياسية المتطرفة.
وبصفتي مواطناً مُهتماً بشؤون مجتمعه، قرأتُ كتاب جوناثان هايدت المؤثر «جيل القلق»، وعاينت بقلقٍ بالغ كيف توارت قضايا الجنس والمخدرات وموسيقى «الروك» – التي لطالما شغلت بال الأجيال السابقة من الآباء والأمهات – بثلاثيةٍ مُرعبةٍ من القلق والاكتئاب والأفكار الانتحارية.
أضف إلى ما سبق أنني مُستهلكٌ يتملكه الغضب، بعدما اطلعتُ على وثائق داخلية تُظهر أن شركات التكنولوجيا الكبرى، رغم خطاباتها المُنمقة حول جعل العالم مكاناً أفضل والامتناع عن فعل الشر، فإنها في الواقع لا تقل جشعاً ولا طمعاً عن غيرها من شركات أخرى بقطاعاتٍ لا تُحصى.
نعم، إنها ضرورة ملحّة أن نبدأ جميعاً – وليس الأطفال فحسب – بالابتعاد عن هواتفنا والانخراط مجدداً في العالم الحقيقي حولنا، مع جيراننا ومجتمعاتنا. علينا أن نفكر بإبداع في سياسات وعادات تُساعد على الابتعاد عن الهواتف. ومع ذلك، لا يجب أبداً أن يأتي ذلك على حساب القانون والحق في حرية التعبير.
الحقيقة، أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست زجاجة كحول أو سيجارة. إنها ليست وسيلة لتوزيع المخدرات، وإنما وسيلة للتعبير. بعض الأحيان، يكون هذا التعبير سخيفاً وغير مؤذٍ، وأحياناً يكون ساماً وضاراً. وفي أحايين أخرى يكون تثقيفياً أو ملهماً. إلا أنه في نهاية المطاف يظل تعبيراً، وفي أميركا، لا يُمكن حظر التعبير أو فرض رقابة عليه أو تنظيمه، إلا في أضيق الظروف.
التشهير، والتهديدات الحقيقية، والفحش، ومواد الاعتداء الجنسي على الأطفال، والتحريض المباشر على العنف – كل هذه الأشكال من التعبير يُمكن حظرها والمعاقبة عليها؛ لأنها لا تندرج تحت مظلة «حرية التعبير»، التي يكفلها الدستور.
قد تخضع الخطابات التجارية – كالإعلانات عن الأدوية الموصوفة أو ملصقات الأطعمة، مثلاً – لرقابة مشددة. إلا أنه عند تجاوز هذه الفئات – لا سيما عندما يتعلق الأمر بخطاب ذي قيمة فنية أو سياسية أو ثقافية أو دينية – تبدأ الحماية الشاملة التي يكفلها القانون بالظهور.
ويعدّ الحكم الصادر في لوس أنجليس، رغم انخفاض قيمة التعويضات، الأكثر إثارةً للجدل. لم تدّعِ صاحبة الدعوى، التي بدأت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سن السادسة، أنها تضررت من خطاب غير قانوني؛ فلم تتعرض للتهديد أو التشهير، على سبيل المثال. إلا أنها ادّعت أن شركات التواصل الاجتماعي جعلتها مدمنة على شبكات التواصل الاجتماعي، وأن استهلاكها القهري لهذه الشبكات تسبب لها في تشوه جسدي، وأثار لديها أفكاراً بإيذاء النفس.
وتُعدّ هذه الدعوى واحدة من آلاف الدعاوى المماثلة المعلقة في جميع أنحاء أميركا. المؤكد أن المدعية في هذه القضية عانت طفولةً مؤلمة، لكن الخلاف الحقيقي تركز حول ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي السبب الرئيس لتلك الصدمة. وكما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس»، على سبيل المثال، أدلت المدعية بشهادتها بأن والدتها أساءت معاملتها جسدياً ونفسياً.
ومع ذلك، وكما ذكر مايك ماسنيك في موقع «تيك ديرت»، موقع يُغطي (من بين أمور أخرى كثيرة) الصراعات الدائرة حول حرية التعبير على الإنترنت: «واجهت هيئة المحلفين سؤالاً حول ما إذا كان إهمال الشركات (عاملاً جوهرياً) في إحداث الضرر. ليس العامل الوحيد، ولا العامل الأساسي، بل عاملاً جوهرياً».
ليس من الصعب فهم المخاطر التي تُهدد حرية التعبير؛ فإذا عانى شخص ما ضائقةً نفسية نتيجة ما يراه على الإنترنت، هل يجعل ذلك من المنصات، التي تُقدم هذا المحتوى، هدفاً مباحاً للهجوم لمجرد أنها تُنسقه وتُقدمه بطريقة جذابة؟ في الواقع، السعي لجذب انتباه الشخص والحفاظ عليه يُعدّ عنصراً أساسياً في مفهوم حرية التعبير في المجمل.
من المُحتمل جداً أن تُنقض هذه الأحكام أو تُعدل بشكل كبير عند الاستئناف، لكن هذه العملية قد تستغرق سنوات. في غضون ذلك، من شبه المؤكد أن تُعقد المزيد من المحاكمات، وستصدر المزيد من الأحكام، التي ستخلق مزيداً من الضغوط على شركات التواصل الاجتماعي، كي تعزز رقابتها وسيطرتها على حرية التعبير على الإنترنت.
في مواجهة المشكلات الاجتماعية الحقيقية، يكون من المغري دوماً التخلي عن القيود الدستورية. نخوض هذه المعركة ضد الجريمة باستمرار. على سبيل المثال، تؤدي موجات الجريمة حتماً إلى دعوات لشن حملات قمع، لكن تبقى هناك طرق دستورية وأخرى غير دستورية (ناهيك عن طرق معقولة وغير معقولة) لمكافحة الجريمة.
وبالمثل، هناك طرق دستورية وغير دستورية للتخفيف من أضرار وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالمدارس الخالية من الهواتف، على سبيل المثال، تتيح للطلاب التركيز على التعليم – واجبهم الأساسي الواضح خلال ساعات الدوام المدرسي، فضلاً على أنه يُساعدهم على التواصل الاجتماعي وجهاً لوجه.
كما يُمكننا محاسبة منصات التواصل الاجتماعي على خطابها، تماماً كما يُمكننا محاسبة أي شخص أو شركة أخرى إذا انخرطت في التشهير أو التحرش أو التهديدات أو أي نشاط تعبيري آخر، يندرج ضمن الفئات الكلاسيكية للتعبير غير القانوني.
* خدمة «نيويورك تايمز»

