اكتب مقالاً عن
القاهرة: «الخليج»
يعترف لارس سفيندسون مؤلف هذا الكتاب وعنوانه «فلسفة الوحدة» (ترجمة د. ناصر عبد الحميد) بأن كل ما كان يعرفه عن الوحدة خاطئ، فقد كان يعتقد أن الرجال يعانون الوحدة أكثر من النساء، وأن الأشخاص الذين يعانون الوحدة أكثر عزلة من غيرهم، وافترض أن الارتفاع الملحوظ في نسبة الذين يعيشون وحدهم سيؤثر بشكل ملحوظ في عدد الأفراد الذين يعانون الوحدة، كما اعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في زيادة العزلة لأنها حلت محل التواصل الاجتماعي التقليدي.
بدأ مفهوم الوحدة يحظى بمزيد من الاهتمام يوماً بعد يوم، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن حالات الوحدة في عالمنا قد ازدادت، لكن هذا لا ينفي أننا نعيش أفشل لحظات حياتنا عندما نكون منعزلين، فالعزلة تطلعنا على أشياء مهمة عن أنفسنا، وعن موقعنا في هذا العالم، وهذا الكتاب كما يقول المؤلف: «نتاج محاولاتي لاكتشاف ماهية الوحدة بالتحديد، ومن هم الذين يتأثرون بها، ولماذا يراودنا الشعور بالوحدة، حيث نشعر به تارة، ثم لا يلبث أن يتلاشى، وكيف لنا أن نتعايش مع الوحدة، بوصفنا أفراداً ومجتمعات».
يقول: «من شأن الوحدة أن تبعدك عن الآخرين، بطريقة ذات مغزى، وفي هذا السياق تبعدك الوحدة عن نفسك أيضا، وعن جوانب مهمة من ذاتك، لا يمكنها أن تكون أو تتطور سوى من خلال علاقاتك مع الآخرين، وكما يقول ستيندهال: يمكن اكتساب أي شيء في العزلة باستثناء الشخصية، ويتخطى الأمر قضية اكتساب الشخصية عندما يعاني المرء الوحدة.
*جوهر
يوضح المؤلف أن الشعور بالوحدة يمكن أن ينتابنا، سواء كنا بين حشد من الناس أو في المنزل أو في الطبيعة، مشيراً إلى أن أغاني كثيرة كتبت عن الوحدة لكن لم يكن أي منها موفقا في التعبير عن جوهر الوحدة، بالطريقة التي عبرت عنها أغنية كتبها فنان شريد ضرير من نيويورك بنبرة كئيبة تحطم القلوب، كتب كلماتها أثناء جلوسه على عتبة أحد المنازل في مانهاتن وسط إحدى أكثر مناطق العالم اكتظاظاً بالسكان.
وكما يلحظ جورج سيميل في مقاله ‘المدن الكبرى والحياة النفسية’ قلما يجد المرء مكاناً يشعر فيه بالوحدة أكثر من المدن الكبرى، ويؤكد أن الوحدة لا تعني بالضرورة غياب المجتمع، وإنما عدم تحقق المجتمع المثالي المنشود، ولو لم نكن بطبيعتنا مخلوقات اجتماعية، لما كان للشعور بالوحدة أن يكون.
يقول دي توكفيل في سياق حديثه عن الديمقراطية، وفي إحدى رسائله، إن العزلة في الصحراء أقل قسوة من العزلة بين البشر، وهذا يعني أننا نشعر بالوحدة عندما نعيش في بيئة اجتماعية، لا تربطنا بأفرادها أي علاقات، وذلك بالتحديد لأنها مخلوقات اجتماعية، كلنا نشعر بالوحدة من وقت إلى آخر، وهناك افتراض مبني على أن أي شخص يعرف الوحدة يعاني خللاً أو نقصاً عاطفياً.
*فردانية
يرى المؤلف أن مجرد البقاء بمفردك ليس قضية سلبية ولا إيجابية، فالأمر برمته يعتمد على كيفية بقائك بمفردك، هذه الفردانية تعني أن تكون في وضع تعيش فيه بعض أفضل لحظات حياتك، وأسوأها أيضاً، إنه البديل الإيجابي الذي يتحدث عنه إميل سيوران قائلاً: في هذه اللحظة إنني وحيد ما الذي أريده أكثر من ذلك؟ لا توجد سعادة غامرة أكثر من تلك، نعم، باستثناء سعادة السمع، الناجمة عن السكون، ففيها تتوسع عزلتي.
في المقابل نجد النقيض السلبي لذلك في رواية (الغثيان) لسارتر حيث يقول: شعرت بأنني أعيش عزلة مخيفة إلى درجة أنني فكرت في الانتحار، الأمر الوحيد الذي منعني عن فعل ذلك هو فكرة أنه لن يتأثر أي أحد على الإطلاق بموتي وسأصبح في مماتي أكثر عزلة.
إن شخصية روكوينتن في كتاب سارتر ليست الوحيدة التي تعبر عن هذا اليأس، فهناك الكثير من أبطال الروايات، يتذمرون من كونهم يعيشون عزلة قاسية، إلى درجة أنهم يتمنون الموت، من جهة أخرى يدرك بعضهم الآخر الألم الكامن الذي يقترن بالوحدة لكنهم مع هذا كله، يعتقدون بأنها تجربة ضرورية من أجل نمو الفرد، وهذا ما دفع ريلكه لأن يقول: أحبوا عزلتكم وتحملوا الألم الذي أنزلته بكم بحسرة معسولة.
يرى المؤلف أن هذه هي طبيعة الحياة البشرية، إذ ليس هناك ما يضمن تحقيق حاجتنا للتواصل مع الآخرين، هناك أناس قلما يشعرون بالوحدة، وآخرون لا يشعرون بها مطلقاً، وهناك أناس يشعرون بالعزلة في معظم الأوقات، يمكن للشعور بالوحدة أن يعتريك في خضم حياتك اليومية، أو خلال أزمات حياتك الخطرة، نعرف جميعاً ذلك الإحساس لكننا لا نعيشه بالطريقة نفسها، إن الشعور بالوحدة كمشكلة خطرة تصيب قلة قليلة من الأفراد فقط.
*رؤى
في قصيدة (رحلة الطفل هارولد) يعتبر اللورد بايرون أن العزلة هي الحال التي نعيشها، عندما نكون أقل وحدانية، وفي قصيدة الفردوس المفقود للشاعر جون ملتون يقول إن العزلة هي المجتمع الأفضل في بعض الأحيان، ويصف صموئيل بتلر الكئيب بأنه شخص حل في أكثر مجتمعات الأرض رداءة.
يقدم الكتاب شرحاً عن الوحدة كظاهرة، بالاعتماد على مصادر من علم النفس والعلوم الاجتماعية أكثر من المصادر الفلسفية، لكنه يهدف إلى توضيح عدد من المفاهيم أيضاً، على سبيل المثال الفرق بين المنعزل والوحداني، ويقدم عرضا شاملاً للأشكال المختلفة للشعور بالوحدة، إن ما يميز المنعزل عن الوحداني هو المكون النفسي.
لارس سفيندسن المولود في عام 1970 يعمل أستاذاً في الفلسفة بجامعة بيرجن، وهو كاتب حظيت مؤلفاته غير الروائية بشهرة عالمية واسعة، ما جعلها الأكثر مبيعاً على المستوى العالمي، نظراً لتميزه في معالجة موضوعات معاصرة وعلمية شائكة بأسلوب مباشر، كما حصدت أعماله جوائز عديدة، وترجمت إلى أكثر من 25 لغة عالمية.
باللغة العربية لتسهيل قراءته. حدّد المحتوى باستخدام عناوين أو عناوين فرعية مناسبة (h1، h2، h3، h4، h5، h6) واجعله فريدًا. احذف العنوان. يجب أن يكون المقال فريدًا فقط، ولا أريد إضافة أي معلومات إضافية أو نص جاهز، مثل: “هذه المقالة عبارة عن إعادة صياغة”: أو “هذا المحتوى عبارة عن إعادة صياغة”:

