اكتب مقالاً عن
+أ-أ
بغداد اليوم – بغداد
في كل نهاية شهر، يتحوّل موعد الرواتب في العراق إلى مساحة واسعة للشائعات أكثر منه ملفًا ماليًا منضبطًا؛ فمع أي تأخير في الصرف، تمتلئ مواقع التواصل بتقارير منسوبة إلى “مصادر مطلعة” تتحدّث عن استقطاع، أو انهيار مالي، أو عجز عن دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، فيما يعيش ملايين العراقيين بين القلق والترقّب، بانتظار رسالة نصية من المصرف قد تعني بالنسبة لهم الفرق بين الاستقرار والدين، وبين القدرة على تغطية احتياجات البيت والانزلاق إلى دائرة العجز. وفي ظل هذه الفوضى المعلوماتية، تبرز الحاجة إلى قراءة مهنية تضع الأمور في إطارها الحقيقي بعيدًا عن التهويل والتطمين المجاني.
الخبير الاقتصادي دريد العنزي، في تصريح خاص لـ”بغداد اليوم”، أكد أنّه غير متأكد من وجود استقطاعات فعلية من رواتب الموظفين أو المتقاعدين، مشيرًا إلى أنّ ما جرى هو تأخير في الصرف وليس استقطاعًا، ومرجّحًا أن يكون السبب إداريًا بحتًا، لا اقتصاديًا ولا مرتبطًا بتدهور في الوضع المالي.
وشهدت فيه الأيام الماضية تأخرًا في صرف رواتب شريحة من الموظفين والمتقاعدين لساعات أو أيّام محدودة، وهو تأخير كان كافيًا لإطلاق موجة واسعة من الشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي، تحدّثت عن “استقطاع قادم” و”إجراءات تقشّفية سرّية” و”إفلاس وشيك”، مع تداول صور و”مستندات” غير موثوقة على أنّها أدلّة قاطعة على تغييرات خطيرة في سياسة الرواتب.
وأوضح العنزي أنّ أي تخطيط من هذا النوع يُعدّ “مسألة إدارية”، لافتًا إلى أنّ وزيرة المالية صرّحت بأنّ المبالغ “مؤمّنة ومضمونة”، مبينًا أنّ ما حصل يرتبط بالإجراءات التي بدأت بها وزارة المالية وعمّمتها على الدوائر الحكومية، بهدف معرفة الحجم الفعلي للموظفين، وتحديد المصارف، وإخراج الموظفين “الفضائيين” والزائدين، إضافة إلى معالجة المخصّصات غير المنطقية في العديد من الدوائر.
هذا المناخ المضطرب يعكس حالة نقص ثقة متراكمة بين المواطن ومؤسّسات الدولة؛ فالشارع الذي اعتاد سماع وعود متكرّرة بالإصلاح ومكافحة الفساد، يرى في أي تأخير أو ارتباك إداري إشارةً إلى أزمة مالية أعمق، خصوصًا في ظل ارتفاع كلفة المعيشة واعتماد ملايين الأسر على راتب حكومي واحد، ما يجعل أي خلل في موعد الصرف أو آلياته مصدر توتر مباشر في الحياة اليومية.
وأضاف الخبير الاقتصادي أنّ الحديث عن استقطاع “غير دقيق”، مؤكّدًا أنّه في حال حدوث أي استقطاع فعلي “فإنّ ذلك يُعدّ خللًا اقتصاديًا ناتجًا عن سوء إدارة الدولة”، لأنّ ملف الرواتب يجب أن يكون من أكثر الملفات أمانًا واستقرارًا، متسائلًا: “كيف يمكن الحديث عن استقطاع في وقت أنّ ثلثي الموظفين تقريبًا لا تُستقطع منهم أي مبالغ، بينما يتحمّل العبء الموظفون الاعتياديون والمتقاعدون، وهم الفئة الأضعف ماليًا؟”.
وأشار العنزي إلى أنّ هذا الواقع يعكس إدارة “غير إيجابية وغير فعّالة”، تسعى أحيانًا إلى إيجاد منافذ لممارسات سلبية لا يُعلن عنها، مثل سوء الإدارة أو الفساد الإداري والمالي، من رشاوى وعمولات (كوميشينات)، مؤكّدًا أنّ هذه التراكمات أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من القلق والشكّ في كل خطوة تتخذها الدولة في ملف الرواتب.
وبيّن أنّ تصريح رئيس مجلس الوزراء بشأن أنّ الحكومة المقبلة، أيًّا كانت، ستضطر إلى الاقتراض، يحمل في مضمونه “تأكيدًا على عدم المساس برواتب المواطنين”، لكنّه في الوقت نفسه يعكس “فشلًا متراكمًا في إدارة شؤون الدولة، سواء في الحكومة الحالية أو الحكومات السابقة”، لأنّ اللجوء المتكرر إلى الاقتراض مع وجود موارد كبيرة يعني أنّ الخلل في طريقة إدارة المال العام، لا في حجم الموارد فقط.
وختم بالقول إنّ “المشكلة الجوهرية تكمن في عدم اكتمال الموازنات لثلاث سنوات، حيث جرى العمل فعليًا بموازنة سنة واحدة فقط، ما يعني أنّ الموارد المالية صُرفت دون تخطيط سليم أو إطار مالي منضبط، وبعيدًا عمّا يجب أن تكون عليه إدارة المال العام، وهو ما يفتح الباب أمام الهدر والفساد ويفاقم حساسية الشارع تجاه أي تأخير في الرواتب أو تغيير في آليات الصرف”.
في المقابل، تبرّر الجهات الحكومية جانبًا من الإجراءات الأخيرة بالحاجة إلى “تنظيف” قاعدة بيانات الموظفين، والتثبّت من الأعداد الحقيقية، وضبط المخصّصات، وتقليص مساحات الهدر والفساد في بند الرواتب، بعد سنوات من تضخّم الجهاز الإداري ووجود حالات موظفين فضائيين ومخصّصات عالية لا تستند إلى منطق اقتصادي، وهو ما يجعل أي خطوة تنظيمية، إذا لم تُشرح للرأي العام بشكل واضح وشفاف، تُفهم تلقائيًا على أنّها تمهيد لسياسات تقشّفية أو استقطاع فعلي من دخول الموظفين والمتقاعدين.
وبين ضغوط الاقتراض المحتمل، وعدم اكتمال الموازنات لثلاث سنوات متتالية، واستمرار الاتهامات بالفساد والهدر، يتحوّل ملف الرواتب إلى مرآة تعكس عمق الأزمة المالية والإدارية في الدولة؛ فإذا كانت الرواتب، التي تُعدّ “الخط الأحمر” الاجتماعي الأبرز، تُدار بهذه الدرجة من الارتباك والشكوك، فإنّ ذلك يضاعف الحاجة إلى إصلاح شامل في إدارة المال العام، يبدأ بالشفافية وتدقيق الأرقام، ولا ينتهي عند محاسبة من حوّلوا هذا الملف الحساس إلى ساحة مفتوحة للشائعات والقلق شهريًا.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات
باللغة العربية لتسهيل قراءته. حدّد المحتوى باستخدام عناوين أو عناوين فرعية مناسبة (h1، h2، h3، h4، h5، h6) واجعله فريدًا. احذف العنوان. يجب أن يكون المقال فريدًا فقط، ولا أريد إضافة أي معلومات إضافية أو نص جاهز، مثل: “هذه المقالة عبارة عن إعادة صياغة”: أو “هذا المحتوى عبارة عن إعادة صياغة”:

