نوكيا تعود بقوة مع شراكة إنفيديا
هوية نوكيا في أذهان المستخدمين
لطالما ارتبطت هوية شركة نوكيا في أذهان المستخدمين بهواتفها الأسطورية، وعلى رأسها جهاز "3310" الذي تجاوز كونه مجرد هاتف ليصبح أيقونة ثقافية لجيل كامل. فبحلول عام 2009، أصبحت نغمة هواتف نوكيا منتشرة في كل أرجاء العالم، حيث كان يتم تشغّيلها بنحو 1.8 مليار مرة يومياً، أي ما يعادل 20 ألف مرة في الثانية.
تحديات نوكيا
وبينما كانت التوقعات تُشير إلى أن الشركة الفنلندية تتجه في عام 2009 للسيطرة على حصة تصل إلى 40 بالمئة من سوق الهواتف المحمولة في العالم، حصل ما لم يكن بالحسبان مع اجتياح موجة هواتف آيفون وأندرويد الأسواق، لتتوقف فجأة نغمة هواتف نوكيا، مع فشل الشركة في إعادة تصميم هواتفها بما يتماشى مع توجهات المستخدمين.
بيع قسم الأجهزة والخدمات
ومع تدهور مبيعاتها، باعت شركة نوكيا في عام 2014، قسم الأجهزة والخدمات الذي كان يضم أعمالها في مجال الهواتف المحمولة، إلى شركة مايكروسوفت مقابل 5.4 مليار يورو، مع انخفاض إيرادات هذا القسم من ذروته البالغة 37.7 مليار يورو في عام 2007، إلى 10.7 مليار يورو فقط عند بيعه.
فصل جديد في كتاب نوكيا
غير أن عام 2025 حمل فصلاً غير متوقع في كتاب نوكيا، التي عادت إلى واجهة المشهد التقني العالمي بعباءة جديدة تماماً، متسلحة باستثمار بقيمة مليار دولار من شركة إنفيديا، ضمن شراكة استراتيجية تهدف إلى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في شبكات الاتصالات حول العالم.
استراتيجية نوكيا الجديدة
فينوكيا التي خرجت من سوق الهواتف المحمولة، غيّرت استراتيجيتها مرتين منذ ذلك الحين، حيث راهنت بدءاً من عام 2013 على التحوّل إلى شركة رئيسية في سوق معدات شبكات الاتصالات، لتستحوذ في العام نفسه، على حصة سيمنس في مشروع الشبكات المشترك الذي كان يجمعهما، مقابل 1.7 مليار يورو، قبل أن تعود وتنفّذ في عام 2015 أكبر صفقة استحواذ في تاريخها بما يتماشى مع هدفها الجديد، وذلك من خلال شراء شركة Alcatel-Lucent مقابل 15.6 مليار يورو.
تحديات نوكيا في سوق معدات شبكات الاتصالات
ومع التوسع في هذه السوق، واجهت نوكيا منافسة قوية من شركتي هواوي و ZTE الصينيتين، اللتين نجحتا ورغم المخاوف الأمنية، بالفوز بعقود كبرى مع شركات اتصالات أوروبية، من بينها BT و Telefónica و Deutsche Telekom، مما أدى إلى تآكل حصة نوكيا في سوق معدات شبكات الاتصالات، حيث أعاد هذا الضغط طرح تسالات حول قدرة الشركة في الحفاظ على موقعها في سوقٍ تشهد تغيرات تقنية وسياسية متسارعة.
تغيير استراتيجية نوكيا مرة أخرى
ومع تعرض أعمال نوكيا الأساسية للخطر مجدداً، غيّرت الشركة مسارها للمرة الثانية، فخلال عهد الرئيس التنفيذي السابق للشركة بيكا لوند مارك، والذي امتد من عام 2020 حتى عام 2024، قامت نوكيا بعملية إعادة تموضع متجهة نحو الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والشبكات الضوئية، لتستكمل الشركة هذا التوجّه تحت إدارة الرئيس التنفيذي الجديد، جاستن هوتارد، الذي سعى إلى وضع نوكيا في موقعٍ يمكّنها من الاستفادة القصوى من دورة الذكاء الاصطناعي الفائقة، لتستحوذ الشركة الفنلندية في فبراير 2025 على شركة إنفينرا المتخصصة في الشبكات الضوئية مقابل 2.3 مليار دولار، تمهيداً للرهان الحالي على الذكاء الاصطناعي.
نوكيا تلفت انتباه إنفيديا
وبحسب تقرير أعدته "فايننشال تايمز"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فقد لفت هذا التحول انتباه ملكة صناعة الرقائق الإلكترونية إنفيديا، التي أعلنت في أكتوبر 2025، عن استثمار مليار دولار في نوكيا، إلى جانب شراكة لإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في شبكات الاتصالات. وقد أدى هذا الإعلان إلى ارتفاع سهم نوكيا بنحو 25 بالمئة، لترتفع قيمتها السوقية حاليّاً إلى قرابة 32 مليار يورو، غير أن هذا المستوى يبقى بعيداً جداً عن ذروة قيمتها السوقية في عام 2000، حين بلغت نحو 286 مليار يورو.
مرونة نوكيا
وفقاً لرئيس نوكيا التنفيذي جاستن هوتارد، فإن قدرة نوكيا على إعادة هيكلة أعمالها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هويتها، في حين يرى شاز أنصاري، أستاذ الاستراتيجية والابتكار في جامعة كامبريدج، أن قدرة نوكيا على إعادة ابتكار نفسها بنجاح، تُستمد من مرونتها الخاصة بكل نشاط تجاري، مشدداً على أن الشركة تتمتع بقدرة نادرة على التخلي عن بعض الأنشطة التجارية عندما لا تسير على ما يرام.
عوائد غير مضمونة
ومع ذلك، أعرب بعض المحللين عن مخاوفهم من أن تتعرّض الاستراتيجية الجديدة لنوكيا لمخاطر سوق الاستثمار في الذكاء الاصطناعي شديد التقلب، والتي تجذب عدداً كبيراً من المنافسين المحتملين، مثل سيينا وسيسكو، في حين يرى باولو بيسكاتوري، المحلل في شركة PP Foresight، أن هناك مخاوف كبيرة بشأن العوائد المستقبلية لاستثمارات الذكاء الاصطناعي لمشغلي الشبكات، نظراً لعزوف العملاء عن الاعتماد بشكل كبير على مزود واحد.
لماذا إنجذبت إنفيديا لنوكيا
ويقول رئيس شركة "تكنولوجيا" مازن الدكاش، إن ما جذب إنفيديا لنوكيا هي محفظتها التقنية المتقدمة، فنوكيا تمتلك واحدة من أكثر محافظ التقنيات تطوراً في الشبكات الضوئية عالية السعة، والراوترات الأساسية وحلول الربط بين مراكز البيانات، مشيراً إلى أن هذه المكونات تلعب دوراً رئيسياً في دعم أعباء الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، لا سيما في ما يتعلق بنقل البيانات الضخمة بزمن استجابة منخفض بين مراكز البيانات.
شراكة الرقائق والشبكات
وبحسب الدكاش فإن شركة إنفيديا الأميركية الرائدة في تطوير الرقائق وحلول الذكاء الاصطناعي، ترى في نوكيا الفنلندية عنصراً استراتيجياً لا غنى عنه، فإنفيديا تعلم تماماً أن دورة الذكاء الاصطناعي الفائقة لا تعتمد على الرقائق والحلول الذكية فقط، بل أيضاً على قدرة الشبكات على نقل ومعالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة وموثوقية، وهو ما تضمنه تقنيات نوكيا التي تتحكم في تدفق البيانات التي تحدد فعالية تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
نوكيا شريك للجميع
من جهته يقول الكاتب التقني جوزف فرح، إن العلاقة بين نوكيا وإنفيديا وعلاقة نوكيا بالذكاء الاصطناعي بشكل عام ليست علاقة عابرة، إذ يوجد إمكانات كبيرة لتوسيع التعاون ليشمل مشاريع أكبر في مراكز البيانات والحوسبة السحابية، وحتى من ناحية تطوير حلول تسريع الذك

