أكثر ما يثير الجدل في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو قدرته على صناعة قرارات مفاجئة، ربما تتعارض مع توجهات المؤسسات، أو بالأحرى “الدولة العميقة”، والتي صنعت قيادتها للعالم، منذ الأربعينات من القرن الماضي، عبر سلسلة من المبادئ والمفاهيم، التي صارت بمثابة دستورا للغرب الأوروبي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ثم تحولت نحو التطبيق العالمي، بعد الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، لتصبح القائد الوحيد للعالم، الذي يستمد شرعيته من الحلفاء، وبالأخص المعسكر الغربي، وهي الرؤية التي يبدو الرئيس ترامب معارضا لها، في ظل رغبته في تحويل العلاقة مع هذا الفريق من طبيعتها القائمة على التحالف، إلى الخضوع المطلق للإرادة الأمريكية، وهو ما بدا في السياسات التي حملت قدرا كبيرا من الاستعداء سواء في ولايته الأولى، وامتدت إلى الثانية، والتي دارت بين السياسة والاقتصاد والأمن وغيرها.
الحديث عن التحول في تعريف شرعية القيادة الأمريكية، ليس بالأمر الجديد تماما، فقد سبق وتناولته في مقالات سابقة، في إطار رغبة الإدارة الأمريكية الحالية في التحول من مجرد الهيمنة الأحادية المستمدة من قيادتها للحلفاء، إلى هيمنة أحادية مطلقة مستمدة من قوتها الذاتية، وهو ما لا يحتاج ثمن تقدمه واشنطن للحلفاء، مقابل الدوران في فلكها، وإنما العكس هو الصحيح، فقوة أمريكا وهيمنتها، ينبغي أن تقدم لها فروض الولاء والطاعة من القوى الراغبة في استرضائها، وبالتالي فإن القوة والهيمنة هما أساس الشرعية، دون الحاجة لأي غطاء آخر، وهو ما بدا في العديد من المشاهد، منها شعار “أمريكا أولا”، والذي يمثل الأساس الذي دارت حوله سياسات واشنطن خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، بينما يواصلها في ولايته الثانية، منها موقفه المثير للجدل من الاتحاد الأوروبي والناتو، مرورا بالتعريفات الجمركية، والموقف من الأزمة الأوكرانية، والذي يعد سابقة تاريخية مهمة في إطار الانحياز لروسيا على حساب أوروبا الغربية، وهي مواقف حملت استعداءً صريحا للحلفاء، أو ربما محاولة لابتزازهم رغبة منه في دفعهم لتقديم المزيد من التنازلات.
الموقف الأمريكي تجاه الوفد الفلسطيني المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يمثل وجها آخر للتحركات التي يخوضها الرئيس ترامب لفرض الهيمنة الأحادية ذاتية الشرعية، ولكن ليس تجاه الحلفاء والخصوم، وإنما في إطار القضايا الدولية، عبر إبراز نفوذه وقدرته على تغييب ما يرتئيه منها من المحافل الدولية، وهو ما تظن إدارة الرئيس ترامب امتلاكه من منطلق وجود المنظمة الأممية على أرضها، وهو ما يضفي لها قوة دبلوماسية، وبالطبع لا يوجد في اللحظة الراهنة، أهم من القضية الفلسطينية، وفي القلب منها قضية العدوان على غزة، ما يترتب عليها من حالة من عدم الاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وبالطبع لا يوجد ما هو أهم على الساحة الدولية من قضايا، في اللحظة الراهنة، خاصة مع اقتراب العدوان من إتمام عامه الثاني، مخلفا آلاف الشهداء والجرحى.
ولعل القرار الذي اتخذه الرئيس ترامب مؤخرا بتحويل اسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون”، إلى وزارة الحرب، بمثابة خطوة أخرى، تضفي المزيد من الزخم لطموحات واشنطن في ظل إدارتها الحالية، وهو ما يمكن أن نقرأه من مجرد تغيير الألفاظ، فكلمة “الدفاع مرتبط بالحماية، سواء كان حماية الأرض أو الأمن أو المصالح، وإن اختلف شكل تلك الحماية، سواء كانت لرد عدوان معين أو ذات طبيعة استباقية، بينما لفظ “الحرب” يحمل مدلولا هجوميا، ذو طبيعة استعمارية توسعية، تهدف إلى استعراض القوة على الأطراف الأضعف في المنظومة الدولية، بينما تحمل بعدا آخر قمعيا، مرتبط بالداخل، في ظل مخاوف أو قلاقل مرتبطة بأحداث معينة، ربما دفعت البيت الأبيض لنشر قوات من الجيش في العاصمة، قبل أسابيع قليلة، لمجابهة الجريمة، على حد قول الرئيس آنذاك.
وبين النزعة الهجومية والقمعية التي يحملها قرار تغيير اسم “البنتاجون”، في طياته، نجد أنه يعد بمثابة امتدادا أمنيا وعسكريا لخطوات سياسية أخرى، أسلفناها في السطور الماضية، بين تغيير بوصلة العلاقة مع الحلفاء، وفرض الرؤية الأمريكية بإقصاء قضايا دولية معقدة عن المائدة الأممية، مما يساهم في إضعاف المنظومة الدولية الأكبر، وكلاهما (الحلفاء والأمم المتحدة) كانا المصدر الرئيسي لشرعية القيادة الأمريكية، لتستبدلهما واشنطن بقوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
التحول الأمريكي نحو “وزارة الحرب”، يمثل انقلابا على ضلع آخر من أضلاع شرعيتها، وهو مبادئها، فالحروب التي خاضتها واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حملت أقنعة أخلاقية أو قانونية، فلو نظرنا مثلا إلى الحرب في أفغانستان في 2001، نجد أنها حملت شعار “الحرب على الإرهاب”، بينما اصطبغت بصيغة “الدفاع عن النفس” خاصة وأنها جاءت في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وغزو العراق كان بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل، وحتى حربها على فيتنام، كانت تحمل شعارات الدفاع عن الحرية والديمقراطية ضد الاستبداد، بل وأن دخول أمريكا العسكري في الحرب العالمية الثانية ارتبط بالهجوم على “بيرل هاربر”، وهو الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ، ليندرج دخولها على خط الصراع تحت مظلة “الدفاع”
إلا أن التحول في اسم الوزارة، يضفي أبعادا أخرى، تعكس رغبة في الامتداد والتمدد، ربما لم يخفيها الرئيس ترامب، بل كان صريحات في الإعلان عنها، كالحديث عن ضم كندا، أو الاستحواذ على جزيرة “جرين لاند”، أو الأطماع في السيطرة على قناة بنما، وهي في ذاتها تمثل تغييرات سياسية عميقة في الرؤى التي تبنتها الولايات المتحدة لعقود طويلة وكانت مصدرا لشرعيتها.
إن إعادة تسمية وزارة الدفاع الأمريكية إلى “وزارة الحرب”، إذا ما أخذناها في سياقها السياسي والرمزي، لا يمكن اختزالها في مجرد قرار شكلي أو نزعة شخصية للرئيس ترامب، وإنما هي انعكاس لتحول أعمق في البنية الفكرية التي حكمت السياسة الأمريكية لعقود، حيث بنت واشنطن شرعيتها العالمية على معادلة مزدوجة، تقوم على قوة صلبة متفوقة تضمن لها السيطرة، وقيم أخلاقية أو قانونية تُكسبها غطاءً شرعياً أمام الرأي العام الدولي، وهو ما سمح لها بخوض حروب كبرى تحت عناوين مثل “الدفاع عن الديمقراطية”، أو “الحرب على الإرهاب”، أو “الدفاع عن النفس”، غير أن هذا الغطاء بدأ يتآكل تدريجياً مع التحولات التي شهدها النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ليجد في عهد ترامب لحظة إعلان صارخة، مفادها أن الشرعية لم تعد بحاجة إلى حلفاء أو منظومة أممية أو حتى أقنعة أخلاقية، بل باتت تستمد من القوة ذاتها، وتشرعن ذاتها بذاتها.
هذا التحول يضع الولايات المتحدة في مواجهة مأزق مركب؛ فمن جهة، قد يعزز داخلياً صورة “القوة العارية” القادرة على فرض إرادتها دون حساب لشركاء أو خصوم، وهو ما يعزز التحول نحو مرحلة قمعية، في ضوء صراعات حزبية، ومناوشات سياسية تطال أعضاء الحزب الواحد، لكنه من جهة أخرى يسرع من وتيرة انكشافها أمام العالم، إذ تصبح واشنطن دولة تسعى إلى الاستحواذ والهيمنة دون أي التزام بمنظومة القيم التي طالما بشرت بها، وهو ما يفتح الباب أمام اهتزاز شرعيتها، ليس فقط لدى خصومها، وإنما أيضاً لدى حلفائها التقليديين الذين طالما ربطتهم بها شبكة مصالح معقدة كان يجمّلها خطاب القيم المشتركة، والذي بدورهم قد يتجهوا نحو تحالفات بديلة، أو بالأحرى شراكات قد تمتد إلى خصوم الولايات المتحدة، وعلى رأسهم الصين.
وهنا يمكننا القول بأن “وزارة الحرب” ليست مجرد عودة إلى ماضٍ لغوي ارتبط بعصر الحروب التقليدية، بل هي إعلان عن مستقبل قد يشهد تحرراً كاملاً من أي التزامات قانونية أو أخلاقية، وعودة إلى منطق القوة كأداة وحيدة للقيادة، إلا أن هذا المستقبل، برغم ما قد يحمله من قدرة على فرض الهيمنة في المدى القصير، ينذر في المدى البعيد بتقويض الأسس التي قامت عليها القيادة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، وبالتالي يفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام الدولي، سواء عبر بروز قوى منافسة، أو عبر انكشاف التناقضات الداخلية للنموذج الأمريكي نفسه.

