يظل الطريق طويلاً أمام أي اتفاق سلام في أوكرانيا، رغم أسابيع من الدبلوماسية المحتدمة والتوقعات المتفائلة من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب. مع ذلك يناقش قادة سياسيون بالفعل في ألمانيا تفاصيل حيوية لأي اتفاق نهائي، بما في ذلك احتمال إرسال الجيش الألماني لقوات من أجل المساعدة في إحلال السلام. وسوف يساعد النقاش، الذي بات مكثفاً خلال الأسابيع القليلة الماضية في تحديد مقدار ما يُسمى ضماناً أمنياً لن تستطيع سوى أوروبا تقديمه إلى أوكرانيا بعد نهاية الحرب. إن ذلك مهم لفريدريش ميرتس، المستشار الألماني، بينما يحاول إعادة إنشاء قيادة ألمانية في القارة وحول العالم.
ومن أوجه عدة يعد هذا أحدث حلقة في علاقة ألمانيا المتطورة بشكل مزداد بالدفاع الوطني والجيش، والمتحفزة بفعل العدوان الروسي، وابتعاد أميركا عن أوروبا. بعد سماح حكومات متعاقبة بضمور الجيش وتراجع دوره مع نهاية الحرب الباردة، يشهد الجيش الألماني عملية إعادة بناء بإنفاق قياسي غير مسبوق.
توضح استطلاعات الرأي موافقة أغلبية الناخبين، لكن يظل الألمان بشكل كبير مترددين في الانضمام إلى القوات المسلحة ولا يحتشدون نحو مكاتب التجنيد المحلية. إن البلاد بحاجة ماسّة إلى جنود لحد توقع طرح وزارة الدفاع خطة جديدة لإعادة تطبيق نسخة مخففة من التجنيد في الجيش، التي من المتوقع عرضها للتصويت في مجلس الوزراء خلال الأسبوع الحالي.
وطبقاً لهذا المقترح، يجب على أي شاب يبلغ 18 عاماً إتمام اختبار لتقييم مدى لياقته للخدمة في الجيش، وسوف يحاول الجيش إقناع اللائقين لأداء الخدمة العسكرية بالانضمام قبل اللجوء إلى خيار التجنيد الإلزامي. ويواجه هذا التكتم بشأن نشر القوات وأداء الخدمة العسكرية حالياً اختباراً متمثلاً في احتمال إرسال قوات ألمانية لحراسة ما سيكون فعلياً خط مواجهة أمام روسيا في أوكرانيا التي ارتكب فيها جنود النازية فظائع وأعمالاً وحشية خلال الحرب العالمية الثانية.
لمّح ميرتس إلى أنه سيكون منفتحاً على مشاركة القوات الألمانية في بعثة أمنية أوروبية إلى أوكرانيا، وهو أمر يبدو مرحباً به من جانب قادة أوروبيين آخرين. مع ذلك الكثير من الألمان، بمن فيهم البعض في حزب ميرتس، أقل تحمساً لهذا الأمر. و«من المرجح أن يشكل» أي نشر قوات أمن ألمانية في أوكرانيا «عبئاً» على الجيش، الذي لديه بالفعل قوات متمركزة في ليتوانيا لحمايتها من أي عدوان روسي محتمل، حسب تصريح يوهان فاديفول، وزير الخارجية الألماني، لنشرة «تيبل توداي» الصوتية خلال الشهر الحالي.
وصرح مايكل كريتشمير، الحاكم القوي لولاية ساكسونيا الشرقية، الذي يضطلع بدور بارز في «الحزب الجمهوري المسيحي» الذي يرأسه ميرتس، لموقع «دير شبيغل» الإخباري بأن القوات المسلحة «تفتقر إلى الموارد الضرورية» لضمان أمن أوكرانيا. وأكد المتحدثون باسم ميرتس أن الضمانات الأمنية قد تكون لها أشكال كثيرة، من بينها الدعم الجوي والتدريب الألماني للقوات الأوكرانية، ولم تستبعد الحكومة نشر قوات ألمانية على الأرض، على عكس ترمب ومسؤوليه، الذين أكدوا مراراً على عدم مشاركة أي جنود أميركيين في أي قوة أمنية بأوكرانيا بعد الحرب.
وقد غذى هذا الغموض انتقادات من الحزب اليميني المتطرف «البديل من أجل ألمانيا»، الذي يمثل أكبر كتلة معارضة في البرلمان، وتربطه علاقات قوية بروسيا. ونشر الحزب على محطته الرئيسية «إكس»: «إن ميرتس لن يستبعد إرسال جنود ألمان إلى أوكرانيا، ولن يكون ذلك حفظاً السلام، بل تصعيد دائم ضد روسيا. نحن واضحون، فنحن لن نرسلكم إلى أوكرانيا». ورافق المنشور صورة مولّدة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي لميرتس في هيئة شخص ماكر استدعت إلى الأذهان الدعاية النازية.
تظل كل من أوكرانيا وروسيا مختلفتين كثيراً بشأن التفاصيل الخاصة بأي ضمان أمني بعد الحرب. وتصرّ روسيا على انخراطها في أي ضمان من هذا النوع، في حين ترى أوكرانيا ذلك أمراً غير مبشر بالنجاح. وتريد أوكرانيا ضمانات من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وعبّرت إدارة ترمب عن انفتاحها على تقديم بعض المساعدة الأمنية، لكن من دون نشر قوات. وصرح جيمس ديفيد فانس، نائب الرئيس الأميركي، لمحطة «فوكس نيوز»، يوم الخميس، قائلاً: «على الأوروبيين أن يكون لهم نصيب الأسد من هذا العبء، فهي قارتهم وهذا أمنهم. لقد كان الرئيس واضحاً جداً بقوله إن عليهم زيادة وجودهم في هذه المرحلة».
النقاشات بشأن المشاركة الأوروبية في حفظ السلام ليست بالجديدة، لكنها اتخذت أهمية جديدة منذ لقاء ألاسكا بين ترمب وبوتين في 15 أغسطس (آب) الحالي، الذي ألهب على الأقل مشاعر تفاؤل خاطفة بقرب التوصل إلى اتفاق سلام. وكان إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، قد ذكر أمر إرسال قوات أوروبية إلى أوكرانيا للمرة الأولى في بداية العام الماضي، وتلقى حينها توبيخاً من أولاف شولتس، المستشار الألماني آنذاك، ووصل الأمر إلى حد تصويره لمقطع مصور من مقر قيادة البلاد يتعهد فيه إلى الألمان بعدم إرسالهم إلى أوكرانيا. مع ذلك لمّح ميرتس، بعد الاجتماع بترمب وبقادة أوروبيين آخرين خلال الأسبوع الماضي في واشنطن، إلى احتمال إرسال قوات ألمانية. وقال إن دور ألمانيا في الضمانات الأمنية لأوكرانيا قد يتطلب موافقة برلمانية، وهو ما سيحدث فقط إذا تقدم باقتراح لإرسال قوات ألمانية إلى الخارج.
وقال نيكو لانغ، خبير أمني شغل منصب مدير مكتب وزير دفاع سابق، إن مثل تلك الخطوة ستتلاءم مع رؤية ميرتس لألمانيا أقوى تقود أوروبا أكثر استقلالية. وأوضح لانغ قائلاً: «يقول ميرتس عن قصد، واستناداً إلى منطق سياسي، إنه في حال حدوث شيء كهذا، سوف تشارك ألمانيا بطبيعة الحال».
* خدمة «نيويورك تايمز»