أجرى رواد «أرتميس 2» حديثاً ودياً، في طريق عودتهم إلى الأرض، مع زملائهم الذين يدورون حول الأرض على متن محطة الفضاء الدولية. وقد استضافت المحطة رواد فضاء على متنها لأكثر من 25 عاماً، ووصلت حديثاً مركبة «سويوز» الروسية، دون أن تحظى باهتمام كبير، حاملةً رائد فضاء أميركياً ورائدَي فضاء روسيين، ليصبح العدد الإجمالي الحالي على متنها 10 أشخاص. كما تدور محطة فضائية صينية في الفضاء، وعلى متنها ثلاثة رواد فضاء على الأقل. والسؤال: هل سيلتقون على سطح القمر قريباً؟ أو سطح المريخ؟ هل سنجد ذلك أمراً مذهلاً؟
مثل أي مغامرة عظيمة، خصوصاً تلك التي يمكننا متابعتها لحظة بلحظة، وفصلاً فصلاً، كانت رحلة «أرتميس 2» بمثابة مسرحية آسرة. تلك المقصورة الضيقة المكتظة بالخراطيم والمعدات والمسامير، ولمحات الأرض الصغيرة الزرقاء والبيضاء في الأفق، وشعر رائدة الفضاء كريستينا كوتش المتطاير، والشعور بأن حقبة جديدة من استكشاف الفضاء العظيم والمحفوف بالمخاطر قد انطلقت – كل ذلك يخلق شعوراً بالدهشة والابتهاج، في وقت نحن فيه بأمس الحاجة إليه.
أنتمي إلى جيل (كبير في السن) شهد أول هبوط على سطح القمر، تحديداً يوليو (تموز) 1969 ـ حدث غيّر مجرى الحياة، وحمل دلالات مختلفة تماماً. قبل رحلة «أبولو 11»، لم يكن مفهوم هبوط البشر على جرم سماوي موجوداً إلا في روايات جول فيرن أو رسوم مارفل المتحركة. كانت كلمات «خذني إلى القمر» مطلع أغنية حب لفرنك سيناترا، ولم تكن الحواسيب المنزلية قد ظهرت بعد. اليوم، يبدو من الصعب – بل من المستحيل – استعادة ذلك الحدث الاستثنائي بعد 57 عاماً وأجيال من التقدم التكنولوجي.
اليوم، لا يزال بإمكاني الشعور بالدهشة وأنا أحدق في القمر المليء بالثقوب، في ليلة صيفية حارة وجافة في أوكلاهوما، محاولاً استيعاب وجود رجلين هناك بالفعل. يتذكر المذيع الإخباري الشهير والتر كرونكايت، كيف عجز عن وصف هذا الموقف: «أعتقد أن كل ما قلته: يا إلهي! يا للعجب! لستُ كائناً مخلداً في الحياة. لم أكن سوى إنسان». وحتى هذه اللحظة، لا يزال من الصعب إيجاد الكلمات المناسبة.
كان السياق شديد الاختلاف؛ بدت الحوسبة المعقدة اللازمة للوصول إلى القمر كأنها ضرب من ضروب العبقرية الخارقة. كنت أتدرب في «فورت سيل» آنذاك على حاسوب عسكري بدائي، يُسمى حاسوب المدفعية الميدانية الرقمي الآلي (FADAC)، وكان يزن نحو 90 كيلوغراماً، ويتطلب مولداً كهربائياً مخصصاً لتحديد أهداف المدفعية.
اليوم، يُمكن الاستعاضة عنه على الأرجح بجهاز «آيباد»، بل إنّ السيارة العادية تحتوي على ما لا يقل عن 30 حاسوباً داخلياً. صحيح أن إرسال البشر إلى الفضاء لم يكن بالأمر الجديد آنذاك – فقد سبقت رحلة يوري غاغارين الفضائية الأولى رحلة «أبولو 11» بثماني سنوات – لكن لم يكن هناك ما يُهيئ العالم حقاً لرؤية رجال يقفون على سطح القمر، والأرض الصغيرة الشبيهة بالكرة الرخامية في الخلفية.
وفي مقاله الشهير بصحيفة «نيويورك تايمز» عن أول هبوط على سطح القمر، تحت عنوان رئيس ضخم «رجال يمشون على سطح القمر»، وصف الكاتب العلمي جون نوبل ويلفورد شعور الدهشة الذي عقد ألسنة كثيرين: «وجد الناس على الأرض صور التلفزيون بالأبيض والأسود للمركبة القمرية، التي تشبه الحشرة، والرجال الذين يسيرون عليها شديدة الوضوح، لدرجة أنها بدت غير واقعية، أشبه بلعبة وتماثيل صغيرة في أكثر الرحلات الاستكشافية جرأةً وشموليةً حتى الآن».
(لا تزال نظريات مؤامرة تزعم أن وكالة «ناسا» زيفت بعضاً من عمليات هبوط مركبة «أبولو» المأهولة الست على سطح القمر، أو كلها، بين عامي 1969 و1972، رائجة).
أعلم أن هذا الكلام فيه شيء من التعالي، وليس من الإنصاف التظاهر بمعرفة كل شيء. في الواقع، مهمة «أرتميس 2» ليست سوى مقدمة لإنجازات أعظم بكثير، ولعصر جديد من استكشاف الفضاء، ربما يشهد تشييد قاعدة مأهولة على سطح القمر، وإطلاق رحلة إلى المريخ في نهاية المطاف. وقد حطمت «أرتميس» بالفعل أحد أرقام «أبولو القياسية»؛ فقد وصلت إلى أبعد مسافة عن الأرض وصل إليها البشر على الإطلاق: 252.756 ميلاً، مقارنةً بـ248.655 ميلاً لـ«أبولو 13» عام 1970.
وبعد انقطاع طويل عن رحلات الفضاء بعيدة المدى، من الرائع أن تتمكن الأجيال الجديدة من تجربة الإثارة المهيبة لرؤية الأرض بوصفها «واحة عظيمة في رحابة الفضاء الشاسعة»، كما وصفها رائد الفضاء جيم لوفيل، قائد «أبولو 13» ورائد مهمة «أبولو 8»، وإثارة استكشاف عوالم بعيدة. لم يكن أي من رواد فضاء «أرتميس» الأربعة – ريد وايزمان (50 عاماً)، وفيكتور غلوفر (49 عاماً)، وكوك (47 عاماً)، وجيريمي هانسن (50 عاماً) – قد جاء إلى الحياة بعد عندما تفوه نيل آرمسترونغ بالعبارة الأسطورية: «هذه خطوة صغيرة للإنسان، وقفزة عملاقة للبشرية». ولا حتى عندما اختتم يوجين سيرنان المهمة الأخيرة من برنامج «أبولو»، المهمة رقم 17، بتعهد للمستقبل: «إن تحدي أميركا اليوم قد صاغ مصير الإنسان غداً. وبينما نغادر القمر ومركبة (تاوروس – ليترو)، نغادر كما جئنا، وبإذن الله، سنعود حاملين السلام والأمل للبشرية جمعاء».
ومع ذلك، كانت هناك رسالة مباشرة من أحد رواد «أبولو» المخضرمين إلى فريق «أرتميس»؛ ففي كلمات سُجلت قبل وفاته في أغسطس (آب)، قال لوفيل: «أهلاً بكم في حيّي القديم». وأضاف: «إنه يوم تاريخي، وأعلم مدى انشغالكم، لكن لا تنسوا الاستمتاع بالمنظر». كانت التصريحات البليغة والعبارات الطريفة من أساسيات رواد الفضاء في تلك الحقبة الرائدة، ويبذل الفريق الحالي قصارى جهده لإحياء هذا التقليد. وقبل أن تنقطع الاتصالات مع مركبة «أوريون» الفضائية في أثناء مرورها خلف القمر، قال قائدها غلوفر: «في الوقت الذي نستعد فيه للانقطاع عن الاتصالات اللاسلكية، سنظل نشعر بحبكم من الأرض. وإلى جميع من هم على الأرض وحولها، نحبكم من القمر. سنراكم على الجانب الآخر». أما كوك، فقد تحدثت عن حقبة جديدة لن يكتفي فيها البشر بالعودة إلى القمر، بل سيعيشون عليه. وأضافت: «إلا أنه في نهاية المطاف، سنختار الأرض دائماً. وسيختار بعضنا بعضاً دائماً».
* خدمة «نيويورك تايمز»

