«إن الاستمرار في العمل بالنهج الحالي لم يعد كافياً لضمان بقاء الشركة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع صناعة السيارات عالمياً». بهذه العبارة التي بدت أقرب إلى إعلان مراجعة ذاتية شاملة، لخصت قيادة عملاق السيارات «تويوتا» لحظة فارقة في تاريخها، واعترفت من خلالها أن نموذجها الذي صمد لعقود أصبح الآن موضع اختبار يحدد بقاء الشركة من عدمها. فما الذي حدث لـ«تويوتا»؟ وكيف تعثر نموذجها الذي كان يُدرّس أكاديمياً بصفته المثال الأنجح في الكفاءة الصناعية؟ وما الذي ينتظر الشركة في المستقبل؟
ما يحدث للشركة اليوم هو عبارة عن تراكمات طويلة من الأخطاء، ففي تقرير نشرته «رويترز»، كشف عن تلاعبات في اختبارات السلامة داخل شركات تابعة مثل «ديهاتسو». هذه التلاعبات لم تكن منفردة، بل بدت وكأنها نمط ممتد عبر السنوات، وهو ما اضطر الشركة إلى إيقاف شحن بعض الطرازات والتعامل مع تدقيق تنظيمي مباشر. وكشفت صحيفة «أسوسييتد برس» عن أن هذه المخالفات طالت عشرات الطرازات، وشملت اختبارات التصادم والوسائد الهوائية، ومع اتساع دائرة التحقيق، لم يعد ممكناً احتواء الأزمة داخل «تويوتا»، وتحولت الأزمة الداخلية إلى قضية رأي عام، خصوصاً مع مكانة الشركة لدى الشعب الياباني.
واعتبر المحللون أن هذه الأزمة أقرب إلى الخلل البنيوي في نموذج حوكمة «تويوتا» منه إلى فضيحة تقنية. فنموذج «تويوتا» الذي يحتوي على عدد كبير من الشركات التابعة التي تعمل بشكل شبه مستقل، هو ما منحها المرونة التي تميزت بها عن غيرها، ولكن هذا النموذج الآن أصبح نقطة ضعف تتيح تراكم الأخطاء بعيداً عن الرقابة المركزية.
ويقود هذا إلى شرح نموذج «تويوتا»، وإلى فلسفتها التي قامت على منهج «الجودة بلا مساومة». فقد نجحت الشركة بفضل نموذج إداري يجمع بين اللامركزية والانضباط، فالشركات التابعة لها تمتلك مساحة وحرية واسعة، ضمن إطار عام من القيم والمعايير، وهو ما مكّن الشركة من تحقيق كفاءة استثنائية وخفض التكاليف دون المساس بالجودة، إلا أن هذا النموذج لا يبدو صالحاً اليوم، فمع توسع المجموعة وتعقّد عملياتها، تراجعت فاعلية الرقابة المركزية، وزادت المسافة بين الإدارة العليا والوحدات التشغيلية، مما تسبب في تآكل معايير الامتثال بشكل تدريجي، ومع ضغط الأداء والمنافسة مع الشركات الأميركية والصينية، تحولت اللامركزية من مصدر قوة إلى مساحة رمادية يصعب ضبطها.
وتزامنت هذه الأزمة مع تحول عميق في صناعة السيارات، فالعالم اليوم ينتقل من السيارة الميكانيكية، إلى السيارة البرمجية، حيث تصبح القيمة في الأنظمة الرقمية أكثر من المحرك، وفيما تمكنت الشركات الجديدة مثل «تسلا» و«بي واي دي» من بناء نموذجها التشغيلي بهذه الكيفية لكونها شركات حديثة، عانت «تويوتا» التي يركز نموذجها على الكفاءة التصنيعية لوحدها، ولم يمكّنها من السرعة في الابتكار، وأصبح الإرث الذي تفتخر به عائقاً أمام التنافس مع الشركات المرنة الحديثة.
وهنا يطرح السؤال الأخير: ما الذي يحمله المستقبل لـ«تويوتا»؟ إن «تويوتا» لم تصل ولم تقترب حتى من مرحلة الانهيار، وتصريح رئيسها التنفيذي قد يكون مؤشراً وتمهيداً للتغيير في الشركة، وهي بما تملكه من خبرة طويلة قادرة على التكيف مع الوضع الراهن في صناعة السيارات، ولكنها تواجه تحديين رئيسيين وهما: إعادة بناء الثقة داخلياً، وتسريع التحول خارجياً، فالتقارير تشير إلى أن الشركة بدأت بالفعل في مراجعة عميقة لنموذجها، سواء عبر تشديد أنظمة الامتثال أو إعادة النظر في هيكل المجموعة، أو تسريع الاستثمارات في التقنيات الجديدة، والتحدي هنا هو سرعة تنفيذ القرارات، فالصناعة لا تنتظر، والمنافسة تتسارع، والفجوة قد تتسع، خصوصاً مع بروز الشركات المنافسة.
إن «تويوتا» التي استطاعت لسنوات منافسة السيارات الأميركية حتى في قلب الولايات المتحدة، يمكنها منافسة جارتها الصينية «بي واي دي»، ولكنها تحتاج إلى المنافسة في السوق التي تجيدها، هذه السوق بالتأكيد ليست سوق السيارات الكهربائية، والتي تتقنها شركات بُنيت لأجلها، وقد لا تكون حتى في السيارات الهجينة التي دعمتها الشركة لسنوات طويلة، ولذا فإن «تويوتا» اليوم ليست في مرحلة ضعف مثل غيرها من شركات السيارات، بل هي في مرحلة اختبار يحدد مستقبلها، وبالتأكيد فإن هذه المرحلة الحرجة تتطلب قرارات جريئة وقوية، وهو ما يتوقع منها خلال الأشهر المقبلة.

