في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه التحديات، تبقى المؤشرات الدولية أحد أهم الأدوات لفهم موقع الدول على خريطة الاستقرار.
ومؤخرًا، حمل تقرير مؤشر الإرهاب العالمي، الصادر عن Institute for Economics and Peace، إشارة إيجابية لمصر، بعد انتقالها من مستوى “متوسط التأثير” إلى “منخفض التأثير” في تصنيف عام 2026.
ورغم أن مثل هذه الأرقام قد تمر على البعض باعتبارها مجرد تحديث إحصائي، فإنها في الواقع تعكس مسارًا أعمق، يتجاوز حدود الأمن، ويمتد إلى الاقتصاد والمجتمع وصورة الدولة في الخارج.
أولًا: ماذا يقيس مؤشر الإرهاب العالمي؟
يُعد Global Terrorism Index من أبرز التقارير الدولية التي ترصد ظاهرة الإرهاب، حيث يعتمد على منهجية شاملة لا تقتصر على عدد العمليات، بل تشمل كذلك عدد الضحايا والمصابين، إلى جانب التأثير الاقتصادي والنفسي.
وبالتالي، فإن تحسن تصنيف دولة ما لا يعني بالضرورة اختفاء التهديد، بقدر ما يعكس تراجع قدرته على التأثير في بنية الدولة واستقرارها.
ثانيًا: قراءة في وضع مصر خلال السنوات الماضية
شهدت مصر خلال العقد الماضي تحديات أمنية معقدة، خاصة في الفترة من 2014 إلى 2017، حيث ارتفعت معدلات العمليات الإرهابية بشكل ملحوظ.
لكن مع مرور الوقت، بدأت هذه المعدلات في التراجع تدريجيًا، نتيجة لتكامل عدة عوامل، من بينها:
• تطوير القدرات الأمنية والاستخباراتية
• استعادة السيطرة على مناطق كانت تمثل بؤر توتر
• تغير طبيعة التنظيمات المسلحة إقليميًا
وقد انعكس هذا التراجع في تحسن مستوى “التأثير”، حتى مع تغير ترتيب مصر نسبيًا بين الدول.
ثالثًا: البعد الأمني والعسكري
من الناحية العسكرية، لا يرتبط التراجع فقط بانخفاض عدد العمليات، بل بارتفاع كفاءة الاستجابة والقدرة على الاحتواء.
فالدول لا تُقاس فقط بمدى تعرضها للتهديد، بل بقدرتها على إدارة هذا التهديد وتقليل تأثيره.
وفي هذا السياق، يعكس التحسن في المؤشر تطورًا في:
• منظومة الرصد المبكر
• سرعة التعامل مع التهديدات
• تقليل الخسائر البشرية والمادية
وهو ما يشير إلى انتقال تدريجي من مرحلة “رد الفعل” إلى مرحلة “إدارة المخاطر”.
رابعًا: البعد المجتمعي
لا يمكن فصل أي تحسن أمني عن البعد المجتمعي.
فانخفاض تأثير الإرهاب يعني بالضرورة:
• شعور أكبر بالأمان لدى المواطنين
• استقرار الحياة اليومية
• تراجع التأثير النفسي المرتبط بالخوف وعدم اليقين
كما أن المجتمعات الأكثر استقرارًا تكون أكثر قدرة على الإنتاج، وأكثر قابلية للتطور، وهو ما ينعكس على جودة الحياة بشكل عام.
خامسًا: البعد الاقتصادي
ربما يكون التأثير الاقتصادي هو الأكثر وضوحًا في مثل هذه المؤشرات.
فالعلاقة بين الاستقرار والاستثمار علاقة مباشرة:
• انخفاض المخاطر يؤدي إلى زيادة ثقة المستثمرين
• زيادة الثقة تعني تدفقًا أكبر لرؤوس الأموال
• تدفق الاستثمارات ينعكس على النمو وفرص العمل
كما أن قطاع السياحة، الذي يُعد من أكثر القطاعات حساسية لمستوى الأمان، يتأثر بشكل مباشر بهذه المؤشرات، حيث يعتمد في الأساس على صورة الدولة في أذهان الزائرين.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد إلى قطاعات أخرى مثل العقارات، حيث ترتبط قرارات الشراء والاستثمار طويل الأجل بدرجة الاستقرار والثقة في المستقبل.
سادسًا: قراءة متوازنة للمؤشر
ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإن التعامل معها يتطلب قدرًا من التوازن.
فهي تعتمد على قواعد بيانات وتعريفات محددة، وقد لا تعكس جميع التفاصيل على الأرض.
لذلك، ينبغي النظر إليها كأداة لفهم الاتجاه العام، وليس كحكم نهائي على الواقع.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى تراجع تأثير الإرهاب في مصر باعتباره مجرد تحسن رقمي، ولا يمكن أيضًا المبالغة في تفسيره.
لكنه يظل إشارة مهمة إلى أن مسار الاستقرار يتحرك في اتجاه إيجابي، حتى وإن كان هذا التحرك يتم بهدوء.
فالدول لا تتغير بين يوم وليلة، لكن المؤشرات تلتقط هذه التغيرات حين تبدأ في التراكم.
وربما تكون القيمة الحقيقية لهذا التحسن، ليست فقط فيما يعكسه عن الحاضر، بل فيما يفتحه من آفاق للمستقبل…
حيث يصبح الاستقرار قاعدة، وليس استثناء.

