مع اندلاع الحرب في إيران في 28 فبراير (شباط)، كان العالم قد غرق تواً في أتون الحروب. فقد شهدت السنتان السابقتان حروباً – سواء داخل الدول أو بينها – أكثر من أي فترة أخرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد حلّت حالة «الوضع الطبيعي الجديد» المتمثلة في تصاعد الصراعات.
والآن، مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتوقف الحرب الأميركية والإسرائيلية ضد إيران في ظل وقف هش لإطلاق نار، نشهد عودة ظاهرة أخرى غير مرغوب فيها إلى الساحة العالمية: الحرب العالمية. أصبح صراعان كبيران في قارتين مختلفتين مسرحين للمنافسة الاستراتيجية بين القوى الكبرى. كان لديناميات كل حرب تأثير مباشر على الأخرى، وكلتاهما جرّت دولاً تابعة إلى ساحة الصراع. وبينما يقل حجم الصراعات وشدتها مجتمعين بكثير عن الحربين العالميتين المدمرتين اللتين اندلعتا في القرن الماضي، فقد نشأت عن نفس رد الفعل الخطير: الدول المتنافسة التي تتبنى القوة العسكرية بالكامل كوسيلة أولى وأساسية لممارسة السلطة وبسط النفوذ.
دخلت روسيا والولايات المتحدة الحرب لأسباب مختلفة. سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى توسيع نطاق سيطرته الإقليمية واستعادة الأراضي التي – في رأيه – تنتمي إلى المجال الروسي. تباينت الأهداف المعلنة لدخول الولايات المتحدة الحرب في إيران، لكن الرئيس ترمب أكد باستمرار أنه لا يمكن السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي. ومع ذلك، اعتقد كل من بوتين وترمب أن النجاح سيكون سهلاً، وأن هدفهما يبرر أي مستوى من العنف تقريباً – حتى لو تجاوز حدود القانون الدولي.
في غضون أسابيع قليلة، أصبحت الصراعات في أوكرانيا وإيران تعبيراً عن المنافسة الجارية بين القوى العظمى. وفي كلا المسرحين، دعمت روسيا والولايات المتحدة خصوم بعضهما. تواصل الولايات المتحدة تزويد أوكرانيا بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والتخطيط في معركتها ضد روسيا. وأفادت التقارير بأن روسيا تفعل الشيء نفسه لإيران من خلال توفير معلومات عن الأهداف، وخرائط لمواقع الجيش الأميركي، وإرسال الطائرات المسيّرة إلى طهران. وفي حين أن الولايات المتحدة وروسيا لا تطلقان النار مباشرة على بعضهما، فإن القوتين قامتا بشكل أساسي بتعبئة وتوجيه الأسلحة التي يطلقها الآخرون.
وقد أثرت كل حرب على الأخرى. فقد أصبحت الصدمة التي أصابت أسعار النفط العالمية جراء إغلاق إيران مضيق هرمز مكسباً مالياً غير متوقع لروسيا، سواء من خلال ارتفاع أسعار نفطها، أو من خلال تخفيف العقوبات المفروضة على ذلك النفط من قبل إدارة ترمب التي كانت تسعى جاهدة لخفض الأسعار العالمية. ومع تحويل الانتباه والموارد إلى إيران، شنت روسيا هجوماً ربيعياً يهدف إلى توطيد وتوسيع مكاسبها الإقليمية في أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، عرضت أوكرانيا خبرتها في الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، التي اكتسبتها في معركتها ضد روسيا، على الولايات المتحدة والدول العربية التي تستهدفها إيران.
وقد جرّ كلا الصراعين دولاً أخرى إليه. ففي أوكرانيا، لطالما دُعّمت الجهود الحربية الروسية بفضل الدعم الاقتصادي والتقني من الصين، والمساهمات المباشرة بالقوى البشرية من كوريا الشمالية، والطائرات المسيّرة من إيران. وقد لعب الحلفاء الأوروبيون دوراً متزايد الأهمية في تسليح أوكرانيا، بل تولوا زمام المبادرة في تلك الجهود خلال العام الماضي. ورغم أن دول حلف «الناتو» لم تستجب لدعوة ترمب للمساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، فإن أنظمة الدفاع الصاروخي التي يديرها «الناتو» أسقطت الشهر الماضي صواريخ إيرانية كانت موجهة نحو تركيا. وقد جرّت الصواريخ الإيرانية التي استهدفت دولاً خليجية عدة تلك الدول إلى الصراع، في حين هاجمت إسرائيل «حزب الله» في لبنان، وأطلق الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن صواريخ على إسرائيل.
شهدت الحربان العالميتان الأولى والثانية مشاركة ملايين الجنود من القوى العظمى في قتال مباشر ضد بعضهم، مما أسفر عن سقوط ملايين القتلى. لكن ليس كل الحروب العالمية ستشبه هذين الصراعين المدمرين، بل إن تلك الأحداث لم تكن حتى في الحربين العالميتين الأولى والثانية. كانت حرب السنوات السبع في منتصف القرن الثامن عشر والحروب النابليونية في أوائل القرن التاسع عشر صراعات عالمية أيضاً؛ إذ شملت حروباً منفصلة وقعت في قارات مختلفة، وشاركت فيها قوى عظمى كانت إما تقاتل مباشرة أو تنسق فيما بينها في الصراعات.
تعد حرب السنوات السبع التي دارت بين عامَي 1756 و1763 مفيدة لفهم معنى الحرب العالمية كما تحدث اليوم. دارت الحرب في المقام الأول في أوروبا، حيث وقفت بريطانيا وبروسيا إلى جانب، وفرنسا والنمسا إلى الجانب الآخر. ونظراً لامتلاك بريطانيا وفرنسا إمبراطوريات عالمية، امتدت المعارك عبر قارات متعددة. وكان هذا أيضاً وقتاً كانت فيه الدول تتبنى استخدام القوة العسكرية لتأكيد قوتها الوطنية.
يقول البعض إن الحرب الباردة كانت حرباً عالمية. من المؤكد أن فكرة أن الحرب الباردة كانت فعلاً «باردة» هي فكرة خاطئة. فقد كانت فترة من الصراع الشديد الذي طال أجزاء كثيرة من العالم. لكن صراعات الحرب الباردة افتقرت إلى الترابط والتزامن اللذين ظهرا في أوروبا والشرق الأوسط. والأهم من ذلك أن القوى العظمى خلال تلك الفترة مارست الحذر في استخدام القوة العسكرية، مما قيّد تحركاتها. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الترسانات النووية التي كانت تجمعها.
إن النظر إلى كيفية ارتباط الحروب ببعضها يظهر ضرورة أن يفكر قادتنا بشكل عالمي في عالم متعدد الأقطاب ناشئ تتنافس فيه القوى على السيطرة على المناطق أو مجالات النفوذ. ومن شبه المؤكد أن الصراع في منطقةٍ ما سينتقل إلى منطقة أخرى. وقد يعني تخصيص الموارد لمعركةٍ ما تقليل الموارد المخصصة لمعركة أخرى، مما يقوض الجهود الرامية إلى ردع تهديدٍ ما، أو مساعدة حليف في حاجة إلى المساعدة. إن عدم إدراك النطاق العالمي للقضايا الأمنية هو بالضبط ما قد يدفع الدول من حرب محدودة اختارت خوضها إلى حرب عالمية لم تكن في مرادها.
مرّت العام الماضي 80 سنة على انتهاء الحرب العالمية الثانية. لا يزال الدمار الذي خلّفته تلك الحرب غير مسبوق، وينبغي أن نأمل أن يظل الأمر كذلك.
* خدمة «نيويورك تايمز»

