منذ التاسع من أبريل (نيسان) 2003، وحتى هذه اللحظة، والعراق يمرّ بالأزمة تلو الأخرى؛ ثمة قاسمٌ مشتركٌ فيما بينها: تُدار الأزمات بإرادة البحث عن مخرج. أما اليوم فالأزمة تُدار بإرادة البقاء، على وقع الأحداث المجنونة الجارية في منطقتنا. وهذا الفارق، بين الأمس واليوم، كفيلٌ بتفسير الانحدار المستمر في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها.
ومن داخل التجربة لا من خارجها، ومن موقع العارف في كيفية صنع القرار وتعطيله، تُكتب هذه الكلمات. ليس لتسجيل موقفٍ، بل للقول إن ما يجري حالياً لم يعد قابلاً للتدوير. فالمعضلة العراقيّة لم تكن يوماً غامضة، بل هي واضحة حدّ الإحراج، يقابلها عجزٌ مزمنٌ عن اتخاذ القرار. نحن لا نعيش أزمة فهم أو مقاربة، بل أزمة إرادة.
للأسف، لم تجب النخب السياسية عن سؤال بسيط في الشكل والطرح، لكنه عميق في نتائجه: ماذا نريد؟ بناء الدولة أم استمرار السلطة؟ والدولة -هنا- تعني احتكار السلاح وسيادة القانون ومؤسساتٍ لا تُختزل بالأفراد، وتعني -أيضاً- محاربةً جديّةً للفساد بوصفه «الخط الأحمر» الذي لا يُمّس؛ لأن ما يجري فعليّاً هو إدارة توازنات هشة، تُستخدم فيها الأخطاء بدلاً من معالجتها.
يكفي الوقوف عند مثالٍ واحدٍ واضح: الفساد؛ الذي يُفترض أن يكون مرفوضاً في كل منظومة، تحوّل في بلادنا إلى أداةٍ داخل النظام نفسه. يُستخدم لتثبيت التحالفات وشراء الولاءات وإدامة النفوذ، بل يُدار بعناية، لاجتناب انهيار التوازنات التي قامت عليها السلطة. بعد 23 عاماً على العراق الديمقراطي، لم يعد الفساد انحرافاً، بل أصبح بنية كاملة.
ولا يمكن الحديث عن دولة حقيقيّةٍ في ظل وجود سلاح خارج إطارها وقرارها. هذا الملف -تحديداً وعلى ضوء الأحداث الجارية- يوجب مراجعةً حقيقيّةً شاملة؛ إذ يُدار غالباً بمنطق الالتفاف، وتُستدعى له مبررات دينية، وتُصاغ له عناوين عقائدية، وتُلبّس له أحياناً أبعادٌ قوميّة. والقيم عندما تتحوّل إلى أدوات تبرير تُفرّغ من معناها، وتحوّل إلى جزء من الصراع لا مرجعيّةٍ له. باختصار، كل سلاحٍ موازٍ لسلاح الدولة، هو سلاح ضد الدولة، مهما كانت نواياه.
وما يختصر أزمة القرار أن ما كان يُطرح سابقاً بوصفه شعاراتٍ للحسم، تحوّل إلى مبررات للتأجيل. وما قُدّم بوصفه وعوداً للتغيير، أصبح خطاباً لتفسير العجز. والنتيجة أمام الجميع: بطالة وأميّة تتسع مع الحديث المستمر عن الفرص والاستثمارات، وخدمات أساسية ما زالت دون الحد الأدنى في بلد يمتلك من الموارد ما يكفي لبناء أكثر من دولة، وكهرباء غير مستقرة رغم الوعود المتكرّرة. هذا ليس فشلاً فنيّاً؛ في كثيرٍ من الأحيان، لا يبدو الأمر عجزاً فقط، بل أقرب إلى استثمار في الأزمة؛ استثمار في بقاء المشكلة، لأنها تبرر بقاء «المعادلة».
ورغم كل التدابير والوعود، يبقى الواقع الاجتماعي متسماً بتركيبات توتر متشابكة تتفاقم مع الزمن. فالبطالة المزمنة وتدهور الخدمات الأساسية وغياب منظّمات العلاقة بين الدولة والمجتمع، يُضاف إليها شعور المواطنين المستمر بانتهاك سيادتهم وتحجيم قيمتهم وحقوقهم، تخلق حالة من الإجهاد الاجتماعي والضغط النفسي الجماعي الذي يمكن أن يتحول بسهولة إلى انفجار شعبيٍّ هائل.
في هذه المرحلة، أي تأجيلٍ إضافيٍّ للقرار سيعجّل بالانفجار، وحينها لن تكون هناك مساحةٌ لسماع كل التبريرات المدوّرة على مدى السنوات الماضية التي استُنزفت جميعها، ولا مساحة حتى لقبولها، ولن يُميّز بين من أخطأ ومن لم يخطئ، وبين الفاعل والمسؤول المباشر وغير المباشر. هذا الانفجار المحتمل، ليس مجرد ردّ فعلٍ عاطفيٍّ عابر، بل نتيجة طبيعية لغياب المؤسسات الفاعلة، وفشل منظومة اتخاذ القرار، وتراكم الإحباطات الملموسة على أرض الواقع.
حين نستدعي الأدبيات الدينية في الخطاب السياسي، فإن أول ما يُفرض علينا هو الالتزام، لا التبرير. (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ). هذه الآية هي رؤية واستراتيجية وقواعد عمل. كما لا يمكن الاستمرار في مطالبة المجتمع بالتغيير، في حين القرار غير موجود أو اتخاذه مؤجل. فالتغيير الحقيقي يبدأ حيث مركز القرار، والواقع يشير إلى أن هذا القرار غائب والنخبة السياسية تؤجل اتخاذه كل مرة. وكما قال علي الوردي في كتابه «وعاظ السلاطين»: «لو صدق هذا القول، لكان على الواعظ أن يقول للحاكم: غيّر ظروف الناس أولاً، فحينها تتغير أخلاقهم».
هذا الاقتباس يضع النقاط على الحروف: التغيير الحقيقي يبدأ من السلطة نفسها، لا من الشارع. وكل حديثٍ عن إصلاح السلوك أو المطالبات المجتمعية بالتغيير يصبح بلا جدوى، إن كانت السلطة عاجزة عن اتخاذ القرار الصحيح، أو تؤجله، لتبقي مصالحها ومكتسباتها فوق أي اعتبار للوطن والمواطن. بصراحة؛ لم يعد هناك متسع لإعادة تدوير الأزمة ولا الخطابات ولا لتبرير العجز. نعم، التصحيح متأخر، لكنه -رغم ذلك- أقل تكلفةً من الاستمرار، لأن الاستمرار لم يعد استقراراً… بل أصبح انحداراً بطيئاً، يتبعه انفجارٌ هائل.
ما الحل؟ يبقى الطريق الأمثل للخروج من المأزق السياسي والاجتماعي هو الجلوس على طاولة حوار وطنيٍّ جاد وبنّاء. والحوار هنا ليس لتقاسم المصالح والسلطة، وهو ليس ترفاً أو مضيعةً للوقت، بل هو المنطلق الوحيد الذي يضع البلاد على المسار الصحيح، لاستناده إلى حقيقةٍ واحدة: مصلحة العراق والعراقيين فوق كل اعتبار. فالتجارب التاريخية أثبتت أن كل الحروب والصراعات، مهما بلغت حدّتها، تنتهي في نهاية المطاف على طاولة الحوار والتفاوض؛ فلماذا لا نبدأ بصفتنا عراقيين من حيث انتهى الآخرون؟
الحوار المطلوب هو حوار عقلاء يؤمنون بأن المصلحة الوطنية العليا لا تتحقق إلا من خلال إرادة سياسيّة واعية. قرار حقيقي يتجاوز كل المصالح الضيقة، والتزام صارم بأن تتحول الدولة من مجموعة مصالح شخصية إلى مؤسسات حقيقية فاعلة وذات سيادة.
نحن أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فاصلة: إمّا أن تتحوّل الدولة إلى حقيقةٍ تُدار بقانونٍ واحد وسلاحٍ واحد وقرارٍ واحد، وإما أن تستمر بوصفها فكرة مؤجّلة تُستنزف باسم التوازنات حتى تفقد معناها بالكامل. وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس قيمة النخب بما تقوله، بل بما تجرؤ على فعله. فالرهان الحقيقي لم يعد على توصيف الأزمة، بل على كسر الحلقة التي جعلت من الفساد نظاماً، ومن السلاح واقعاً موازياً، ومن التأجيل سياسةً قائمة بذاتها. لذلك، فإنّ الحوار الوطني المطلوب ليس مجرد آلية تفاوض، بل امتحان وجودي لفكرة الدولة نفسها: هل لا تزال ممكنة في العراق؟ وهل هناك إرادة حقيقية لإعادتها من كونها إطاراً شكلياً إلى كونها سلطة فعلية جامعة؟ الجواب عن هذا السؤال لن تحدّده البيانات ولا النيات، بل القرارات الصعبة التي طال انتظارها، وعندها فقط، يمكن القول إنّ العراق لم يعد يدور في أزماته… بل بدأ أخيراً بالخروج منها.
*رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق

