في عالمٍ تتقاذفه أمواج الصراعات الجيوسياسية، وتكاد لغة السلاح فيه تطغى على صوت العقل، تبرز بارقة أمل غير تقليدية. ليست من أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، بل من رحم التنسيق المتصاعد بين ثلاث قوى إسلامية كبرى: مصر، تركيا، وباكستان.
لطالما آمنتُ بأن جغرافيا المنطقة ليست “لعنة” كما يصورها البعض، بل هي مفتاح الحل إذا ما امتلكت الدول الفاعلة الإرادة لتجاوز الخلافات البينية نحو هدف أسمى: الأمن الجماعي. إن كل دولة من الدول الثلاث لديها مقومات تؤهلها لممارسة الدبلوماسية الفاعلة.
مصر.. رزانة “رمانة الميزان”
وبالحديث عن مصر، فلا يمكن الحديث عن سلام إقليمي دون التوقف عند القاهرة. السياسة الخارجية المصرية اليوم تذكرني بلاعب الشطرنج المحترف الذي يعرف متى يثبت مواقفه دون صدام. إن “المسافة المتوازنة” التي تحافظ عليها مصر هي “حياد إيجابي” يمنحها شرعية الوسيط الذي يثق به الجميع. عندما تقول القاهرة إن الحل الدبلوماسي هو السبيل الوحيد، فهي تضع ثقلها التاريخي والجغرافي خلف هذه الكلمة.
تركيا.. دبلوماسية “الحركة المستمرة”
أما تركيا فنجد أنها بدأت تتحرك بنشاط محموم. فالمتابع للشأن التركى يرى كيف تحولت الدبلوماسية التركية إلى حلقة وصل لا تنقطع بين الشرق والغرب، وبين طهران وواشنطن. ولقد أدركت تركيا أن أمنها القومي يبدأ من استقرار جيرانها، وأن القوة الناعمة والدبلوماسية الاستباقية أكثر ديمومة من أي خيار عسكري.
باكستان.. الجسر العابر للقارات
وعن باكستان، فهي تمثل العمق الاستراتيجي الذي يربط الشرق الأوسط بآسيا الوسطى. دور إسلام آباد في إيجاد منصات للتشاور يعزز من فكرة أن “صناعة السلام” مسؤولية الدول الإقليمية المهمة في آسيا وأفريقيا. التنسيق الثلاثي مع مصر وتركيا وباكستان ، قدم نموذجا يؤمن بالواقعية السياسية، والتي تعنى إدراك الدول الثلاث أن تكلفة الحروب والاضطرابات أصبحت عبئاً ثقيلاً على خطط التنمية الوطنية. .
تكامل الأدوار: مصر بالشرعية والاتزان، تركيا بالحيوية والاتصال، وباكستان بالعمق والمبادرة.
تجاوز “التدخل الخارجي”: الرسالة الأقوى هنا هي أن حلول أزماتنا يجب أن تنبع من عواصمنا، وليس بالضرورة أن تُملى علينا من وراء البحار.
إن التنسيق بين مصر وباكستان وتركيا، هو جهد مؤسسي يهدف لخفض التوترات والنزاعات في المنطقة، وخلق رؤية مستقبلية نحو الاستقرار والأمن الجماعي الإقليمي والدولي و كتابة فصل جديد، عنوانه: السلام يصنعه الأقوياء، ويحرسه الحكماء.

