سواء توقفت الحرب أم لا، فإن تداعياتها سوف تستمر لشهور قادمة، ثم إن النظام الإقليمى كله سوف يشهد تغيرات كبيرة، بناء على ما تكشف عنه الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا، ومن البداية تبدو هذه الجولة من المواجهة تختلف عن جولات سابقة، دارت فى أبريل وفى أغسطس، بجانب أن الحرب التى تشنها الولايات المتحدة تختلف عن غزو العراق عام 2003، والتى شنها جورج دبليو بوش بعد عملية حشد وقرارات تم خلالها توظيف مجلس الأمن لصالح الحرب، وأيضا استقطب بوش الابن بريطانيا وأوروبا فى غزو العراق، على العكس من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى قرر أن يشن حربا على إيران بتحريض من بنيامين نتنياهو، الذى من الواضح أنه منذ 7 أكتوبر 2023 يعيش على الحرب، سواء فى غزة أو لبنان أو إيران، بل إن نتنياهو هو الذى يحاول بكل الطرق منع أى مبادرات لإنهاء الحرب، ويشترك مع اليمين داخل إيران فى الدفع نحو استمرار الحرب بالرغم من أن نتنياهو لا يمتلك أهدافا غير الرغبة فى تدمير إيران، رغم قدرة طهران على إيصال الصواريخ إلى تل أبيب ومناطق مختلفة من الأراضى المحتلة، كما أن حزب الله يخوض هذه الجولة بشكل أكبر وأعمق مما كان يخوض به جولة الحرب أثناء الهجوم على غزة.
الشاهد أن هناك تلاقى بين اليمين الإسرائيلى والإيرانى فى استمرار هذه الحرب، فى الوقت الذى يبدى ترامب أحيانا اتجاها لإنهاء الحرب، وأبدى مرونة لقبول العرض لوقف الحرب وهدنة للاتفاق، بينما بدا الجانب الإيرانى رافضا، ومعه نتنياهو الذى لا يريد الخروج من الحرب. ترامب كالعادة يطلق إشارات متضاربة، فهو يطالب بفتح مضيق هرمز، بينما يواصل تهديداته بتدمير البنية التحتية ومحطات الطاقة، مع علمه بأن إيران سوف ترد بخيارات صعبة، ربما يكون منها قطع كابلات الإنترنت وقصف محطات الطاقة فى الإقليم. ترامب أيضا يشير إلى أطراف أكثر اعتدالا داخل إيران، من دون تسمية، فيما قد يبدو محاولة لدق أسافين بين أطراف إيرانية، أو قد تكون هناك قنوات خلفية للاتفاق، وأن التعنت الظاهر رغبة فى رفع سقف المطالب والحصول على أفضل عروض، وهو ما قد يتضح خلال الساعات المقبلة.
وفى نفس الوقت فإن المواجهة الحالية بقدر ما كشفت عن استمرار الاختراقات الإسرائيلية لإيران، واستمرار تنفيذ اغتيالات آخرها ما أعلنه جيش الاحتلال باغتيال قائد العمليات الخاصة فى الحرس الثورى الإيرانى أصغر باقرى، بينما نسب إلى المرشد الأعلى فى إيران، مجتبى خامنئى، فى بيان التعزية بـ«استشهاد رئيس منظمة استخبارات الحرس الثورى اللواء السيد مجيد خادمى»، وأنه بعد أن واجه العدو الأمريكى – الصهيونى هزائم متتالية لجأ إلى سلاحه المعهود؛ الإرهاب واغتيال أحد قادة المجتمع الاستخبارى والأمنى فى البلاد، كلمة المرشد فيها اعتراف بالاغتيالات، بينما التفسير أنه يمثل عجزا لدى إسرائيل وأمريكا، فى إشارة إلى قدرة إيران على تحقيق ضربات مؤثرة لإسرائيل، اضطرت الاحتلال إلى فتح محطات مترو الأنفاق كملاجئ من الصواريخ والمسيرات، لكن تظل عمليات اغتيال عدد كبير من المسؤولين فى أجهزة الأمن والمخابرات، وقيادات عسكرية ومسؤولين بارزين فى الحرس الثورى وهيئة الأركان والقوات البحرية والجوفضائية، كاشفة عن اختراقات الموساد للداخل الإيرانى وربما وجود شبكات تجسس لم يتم الكشف عنها، وتمثل ثغرات ونقاط ضعف.
بناء عليه فإن الأطراف الأكثر وضوحا وإصرارا على الحرب هم نتنياهو والجانب الإيرانى، بالرغم من خسائر الطرفين، وتغييرات فى موازين القوى، حتى مع التعتيم على الخسائر من كل طرف. واتساع مساحات الدعايات على مواقع التواصل أكثر من منصات وقنوات، تضع مواقع التواصل والدعايات الافتراضية بطلا فى هذه الحرب، التى تحمل مؤشرات الحرب والجحيم وسيناريوهات الدمار، بجانب محاولات ومساعى السلام وانتهاء واحدة من أكثر الحروب دمارا.

