في الصفحة الأولى من سيرته الذاتية الأولى «إسمع يا رضا!» ذكر أنيس فريحة أنه بعد أن أكمل دراسته الثانوية، عيّن مدرّساً في بلدة سوق الغرب لتعليم اللغة العربية للأجانب. وأنه كان من بين طلاب العربية سيدة أميركية مرسلة إلى فلسطين. وذكر أن عطلة المدرسة كانت في شهر سبتمبر (أيلول)، وأن هذه السيدة الأميركية آثرت أن يكون هذا الشهر شهر درس لا شهر عطلة. يعلّمها فيه اللهجة المحكية، وأن الموضوع الذي اختارته لأحاديثهما هو القرية اللبنانية.
وفي الصفحة الثالثة من هذه السيرة قال، مستكملاً قص أحاديثه مع المبشّرة الأميركية عن القرية اللبنانية: «وطال الحديث عن القرية اللبنانية وتشعب: عيشها، مكاسبها، بيوتها، عاداتها، أساطيرها، خرافاتها، أقاصيصها، أغانيها. وراقت لها أخبار القرية قبل أن تزول حضارة القرية. واقترحت أن يكون اسم الكتاب (حضارة في طريق الزوال!)».
هذه السيرة صدرت عام 1956. وفي أول عام 1957 صدر كتابه «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية»، ضمن منشورات كلية العلوم والآداب في جامعة بيروت الأميركية. الكتاب رائد في موضوعه عن الفلكلور اللبناني.
الكتاب في طبعته الثانية الصادرة عن «دار النهار» عام 1980، وفي طبعته الثالثة الصادرة عن دار «غروس برس» عام 1989، حصل قلب في عنوانه، فصار العنوان «القرية اللبنانية: حضارة في طريق الزوال».
إنني أشكك في أن عنوان الكتاب اقترحته عليه السيدة الأميركية التي كان يعلّمها الكلام باللهجة اللبنانية، فهو قد كتب تلك السطور وكتابه «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية» ماثل للطبع. فلقد خشي بينه وبين نفسه أن يقال إنه استمد عنوان كتابه من الجملة التي قالها أحمد كمال في كتابه «أسس النهوض القومي العربي»، وهي: «الحضارة الغربية المائلة إلى الزوال»، وهي الجملة التي تناولها هو بنقد غاضب في دراسته «الفكر العربي: مشكلته» المنشورة في مجلة «الأبحاث» في شهر سبتمبر (أيلول) 1950.
وكانت مشكلة هذا النقد التعميم والتحامل فيه، فهو قد قوّل سواد العرب ما قاله أحمد كمال في تلك الجملة. والعرب كان يعني بهم تحديداً أعضاء «جمعية العروة الوثقى» ذات الاتجاه القومي العربي. وهي الجمعية النشطة في الجامعة الأميركية من عشرينات القرن الماضي، التي كان أحمد كمال عضواً فيها حين أصدر ذلك الكتاب في أثناء دراسته للطب في تلك الجامعة.
إن زميل أنيس فريحة في الجامعة الأميركية، والمنظر للقومية العربية، والموجه السياسي والفكري لجمعية «العروة الوثقى»، قسطنطين زريق لم يقل أبداً إن الحضارة الغربية في طريقها إلى زوال، ولا أن المجتمع العربي القديم مجتمع مثالي.
دعوني أنقل لكم مرة أخرى، ما قاله في نقده الغاضب، لأقارنه بما قاله في مقدمة كتابه «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية».
قال في نقده الغاضب: «هكذا علّمنا الشباب التاريخ، وهذه نظرتهم إلى الغرب –الغرب المائل للزوال!– وما دمنا، أو قل سواد العرب، يعتقدون أن النظام العربي خلق أفضل مجتمع مثالي، وأن مدينة الغرب مدينة مادية سائرة إلى الانقراض، ونقف عند هذا الحد، لن تتقدم ولن تتحرر. وسواء أردنا أم أبينا، نحن في ركاب الغرب: بيتنا، مدرستنا، نادينا، مصنعنا، مزرعتنا، وأهم من هذا كله ميولنا. وما دمنا في أثر الغرب يحسن بنا أن نفهم الغرب فهماً صحيحاً. ولكي نفهم الغرب علينا أن نتحرر من طغيان الماضي!».
وقال في كتابه «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية»: «ولكن حضارة القرية اللبنانية، قرية طفولتنا، في طريق الزوال. فقد غزت الحضارة الغربية أكثر القرى اللبنانية حتى النائية منها. وقد غزتها بعنف وقوة حتى أن صغار القرية أصبحوا لا يعرفون قرية آبائهم. فالبيت قد تغير: أثاثه وأدواته، والدكان في الساحة قد زال وقام مكانه مخزن حديث، والعرس لم يعد ذلك العرس، والمأتم لم يعد ذلك المأتم، والفرن والتنور والصاج في طريق الزوال، فإن في قرى كثيرة فرناً عصرياً حديث البناء يموّن القرية بالخبز الطازج يومياً، والعين، العين حيث كان الناس يلتقون للحديث وللشكوى وللعتاب وللخصام قد هجرت، فإن إدارة إسالة الماء في قرى عديدة تجهّز البيوت من نبع بعيد يصب في مطبخ البيت القروي».
لعلكم لاحظتم عمق التناقض بين ما قاله في نقده التعميمي والمتحامل وبين ما قاله في مقدمة كتابه.
ومن أوجه التناقض أنه في القول الأول يعظ العرب بأنهم لن يتقدموا ما لم يتحرروا من طغيان الماضي العربي في مدنيته الأولى عليهم. وفي القول الثاني هو ضد مظاهر التقدم في القرى اللبنانية ومع طغيان الماضي القروي اللبناني على أهل قرى لبنان وعلى الذين أصولهم قروية في لبنان.
وقد أدان تأثر القرى اللبنانية بمظاهر طفيفة من الحضارة الغربية بكونها «غزواً». وقد استعمل هذه الكلمة بالمعنى الحرفي لا بمعناها المجازي.
هل صحيح أن القرى اللبنانية تعرضت لـ«غزو» تحديثي وتمديني قسري وعنيف من قبل الحضارة الغربية؟
قرى لبنان لم تتعرض لشيء من التحديث والتمدين القسري والعنيف في عهود ما قبل استقلال لبنان من القوى الغربية ولا في عهد ما بعد استقلاله من قبل الحكومة اللبنانية.
في الفصل الأول وعنوانه «الفلكلور اللبناني وضرورة جمعه» توقف عند مسألة تفسير الفلكلور، فقال: «لا ينحصر الخلاف بين علماء الفلكلور حول تفسيره وتعليله ونشأته بل يتعدى ذلك إلى تبويبه أو تصنيفه في جملة العلوم المنظمة. هل هو داخل في علم الاجتماع، أو الأثنولوجيا (علم الأعراق البشرية) أو الأنثربولوجيا (علم الإنسان الطبيعي) أو البسيوكولوجيا، أو التاريخ، أو الدين؟ الواقع أنه يقع ضمن نطاق هذه العلوم الاجتماعية جميعها».
لا يوجد علم اسمه البسيوكولوجيا، وإنما وقع في هذه الكلمة خطأ طباعي، وصحة هذا الخطأ هو السيكولوجيا.
يسترعي الانتباه في سؤاله عن الفلكلور إلى أي علم ينتمي، أنه أغفل ذكر علم الأثنواغرافيا (وصف ثقافة الشعوب). وربما كان السبب هو السهو.
وهناك ملحوظة أخرى متصلة بهذه الملحوظة، وهي أنه في مقدمة الكتاب لم يحدد للقارئ نوع دراسته تحديداً دقيقاً. فهو قد اكتفى بالإيماء إلى أن دراسته فلكلورية.
دراسته هي أثنوغرافية وصفية للقرية اللبنانية، بالارتكاز على قريته، قرية رأس المتن. وللحديث بقية.

