ليست الثقافة العربية مجرد موضوع للكتابة نكتب فيه مقالة أو مقالتين ثم نبحث عن موضوع آخر نكتب فيه، ولكن الثقافة العربية هي الوجود العربي، وقد تراجعت في هذه الأيام إلى الحد الذي لم يعد في استطاعتنا أن نتحمله، أو نؤجل الحديث فيه، أو نعده مرحلة تتعرض لها كل الثقافات حين تطرأ أسباب تعترض طريقها أو تنال من طاقاتها، ثم تختفي هذه الأسباب الطارئة التي تؤثر في السطح، ولا تصل إلى الجذور فتسترد الثقافة عندئذ طاقاتها، وتستأنف نشاطها.
أقول إن الثقافة العربية هي الوجود العربي، ولا أحتاج لمراجعة هذه العبارة، ولا أجد فيها أية مبالغة، وإنما هي الواقع الذي أراه، وهي التاريخ الذي نحتاج لقراءته لنعرف كيف انتقلنا من زمن إلى زمن آخر. لم يكن مجرد نقلة محدودة أو مجرد إضافة، وإنما كان تحولاً شاملاً تحقق في كل مجال. سياسة أخرى، ولغة أخرى، وثقافة جديدة، وعالم آخر تغيرت حدوده، واتسع مداه، واتصل بعضه ببعض.
نعم نحتاج لقراءة هذا التاريخ لنعرف أنفسنا كما يجب أن نعرفها، ونتمثل وجودنا الذي لا يظهر على حقيقته حين نكتفي بالنظر للواقع الراهن فيخيل لنا أننا وُجدنا هكذا بالصورة التي نراها الآن، دون أن نرى كيف تحولنا ودخلنا في هذه الصورة التي صرنا فيها. ونحن لن نجد كلمة تلخص لنا هذا التاريخ، وتفسر هذا التحول إلا الثقافة.
***
وأنا لا أجحد تاريخنا الأول الذي لم يمحه تاريخنا الجديد؛ لأن التاريخ لا يمحو بعضه بعضاً، وإنما يتفاعل بعضه ببعض، ويستفيد الجديد من القديم، ويصبح بهذا مؤهلاً لأنْ يواصل الحياة بعده. والذين ينكرون هذه الحقيقة ينكرون ما في الجديد من غنى واتساع، كما ينكرون ما في القديم من الإنجازات والخبرات التي أصبحت تراثاً لكل البشر، وظلت حية قادرة على مواصلة حياتها في صور جديدة. وهذا هو الغنى الذي نحتاج لأنْ نعرفه حتى نعرف أنفسنا، ونحافظ على وجودنا الذي يتمثل قبل كل شيء في ثقافتنا العربية التي يتواصل فيها الماضي بالحاضر، والمشرق بالمغرب، وبها نستطيع أن نتحدث عن المستقبل الذي نحلم به.
وهل نستطيع أن نصل إلى هذا المستقبل أو نبقى حتى في هذا الحاضر الذي نسعى للتغلب على ما نواجهه فيه من أخطار دون لغة تجمع بيننا من ناحية، وتمكننا من امتلاك الطاقات والقدرات التي أصبح وجودنا مشروطاً بامتلاكها، وهي السبيل لفهم الواقع الذي نعيشه، ورؤية المستقبل الذي نحلم به ونجده في حاضر الآخرين الذين سبقونا إليه بالعلم الذي أصبح متاحاً لكل من يجتهد في طلبه، والاستنارة التي يصل إليها كل من راجع نفسه، ومارس التفكير بالعقل الذي نملكه كما يملكه غيرنا، وبالحرية التي يفتح البشر عليها عيونهم منذ يولدون، وبالثقافة التي استطاع بها أسلافنا أن يحققوا ما حققوه، وجعلوه تراثاً ننتمي له، وعدة وعتاداً نتزود بهما وننطلق لتحقيق الحلم وامتلاك المستقبل؟
ونحن نرى أننا لم نحقق أحلامنا، بل ازددنا بعداً ففرطنا فيما ورثناه. ويكفي أن ننظر لما وصلت إليه لغتنا التي احتضنت ثقافات العالم، وفتحت أمامها أبواب التعارف والحوار، وقاومت الأخطار التي تهدد اللغات عصوراً متوالية، وعادت للنشاط والازدهار في هذا العصر الحديث، وأضافت فيه لتراثها القديم تراثاً جديداً – لغتنا تتعرض الآن لأخطار جديدة تضاف للأخطار الموروثة.
وقد تحدثت في المقالة السابقة عن العاميات التي لم تعد الآن مجرد لهجات دارجة، وإنما تجاوزت هذا الحد، وأصبحت تُستخدم في النشاط السياسي والإداري، وفي الأعمال الأدبية وفي أجهزة الإعلام، وفي السينما والمسرح، فضلاً عن كونها لغة الحياة اليومية. والنتيجة هي هذه اللغة الهجين التي اختلطت فيها العامية بالفصحى فلم تعد واضحة، ولم تعد مألوفة.
وفي الوقت الذي تختلط فيه العامية بالفصحى تبتعد الفصحى عن الفصحى بسبب العزلة المفروضة على الإنتاج الثقافي في كل قطر وانعدام التواصل لاحتجاب منابره التي كان يلتقي فيها الكتَّاب والشعراء والمفكرون العرب والقراء بالطبع.
هذا الخطر الداهم ليس جديداً، وإنما هو الثمرة المُرة للظروف والأحداث التي مرت بنا، ولم تكن في صالح الثقافة العربية التي لا تستطيع أن تكون ثقافة قطرية منغلقة على نفسها؛ لأنها في هذه الحالة تكون ثقافة مبتورة ناقصة.
***
وفي ثمانينات القرن الماضي وقفت أمام اختبار قامت به المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ورأت فيه أن تعرف اللغة التي يتعلمها التلاميذ العرب في مدارسهم فجمعت نصوصاً مما يقرأونه ويكتبونه ويستخدمونه في اثني عشر قطراً عربياً، وراعت في جمعها لهذه النصوص أن تكون ممثلة للبنين والبنات، وللبيئات الريفية والحضرية والبدوية، كما راعت اختلاف الأعمال والمستويات الدراسية فبلغت جملة المفردات المحصورة والمأخوذة من التسجيلات الصوتية، والكتب المدرسية، وكراسات الإملاء والإنشاء للسنوات الأربع الأولى من التعليم الابتدائي في الأردن، والبحرين، وتونس، والجزائر، والسعودية، والسودان، وسوريا، وقطر، والكويت، وليبيا، ومصر، واليمن 534 ألفاً و682 كلمة وجدت منها 38 ألفاً و911 كلمة متداولة في هذه الأقطار جميعاً، والباقي غير مستعمل إلا في حدود قطرية أو إقليمية. ومعنى هذا أن وحدة الثقافة العربية في هذه العقود الأخيرة من السنوات لا تقوم إلا على أقل من 7 في المائة من اللغة التي تستعملها أجيالنا الجديدة، في حين تصل المادة اللغوية التي تفصل هذه الأجيال بعضها عن بعض 93 في المائة من المفردات!
ولن نتجاوز حدود الصواب إذا قلنا إن هذا الاختبار يفسر ما نحن فيه الآن؛ فالذين كانوا في ثمانينات القرن الماضي تلاميذ في المدارس الابتدائية صاروا الآن في الخمسين من أعمارهم يمارسون المهن، ويشغلون الوظائف والمناصب التي يمارسها ويشغلها من بلغوا هذه السن، وفيهم تتمثل اللغة العربية، وتتمثل الثقافة العربية الآن. والنتائج المترتبة على هذا الوضع هي ما نلمسه الآن. وأخطر منه وأكثر مدعاة للخوف والفزع ما يمكن أن يصير إليه غداً وبعد غد، إذا لم نستيقظ بأقصى سرعة ونعمل بكل جد وبكل ما نملك من إمكانات وطاقات ووسائل لإنقاذ لغتنا، وإنقاذ ثقافتنا، وإنقاذ أنفسنا.
ونحن نملك الكثير الذي نستطيع به أن نتغلب على هذا الخطر الداهم الذي يجب على الجميع أن يتصدوا له؛ لأنه يهدد الجميع. نعم، يهدد وجودنا جميعاً.

