ونحن في بداية أبريل (نيسان) 2026، يواجه الخليج واقعاً أمنياً معقداً يتجسد في حرب هجينة تتجاوز الحدود التقليدية ومفاهيم الاشتباك الكلاسيكي. نحن أمام مشهد تتداخل فيه الصواريخ الباليستية والمسيّرات مع الهجمات الموجهة نحو منشآت الطاقة الحيوية، وتنشيط شبكات الوكلاء الإقليميين. هذه المعطيات تفرض مقاربة متزنة تتجاوز التحليل العسكري البحت، لفهم طبيعة هذه المواجهة التي لا تسعى إلى احتلال الجغرافيا بقدر ما تهدف إلى إضعاف تماسك الدولة الوطنية من الداخل، عبر مزيج مكثف من الضغوط العسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
إن كان لهذه الحرب الدائرة حسنة تذكر، فهي الوضوح التام لخفوت الخطاب الطائفي في وسائل الإعلام العربية بشكل ملحوظ. فالإعلام بشكل عام بات يتعامل مع الأزمة بوصفها أزمة سياسية وعسكرية ذات امتدادات وآثار اقتصادية، بعيداً عن الاصطفافات المذهبية التي طالما أرهقت المنطقة. ومن المرجح أن تكون الآثار الاجتماعية في معظم دول الخليج العربي إيجابية، حيث نلاحظ زيادة الوعي الوطني وتنامي الشعور بالامتنان لكون الدولة الوطنية قوية وقادرة على إدارة شؤون مواطنيها بكفاءة في أوقات الأزمات. هذا التماسك يعكس نضجاً مجتمعياً يدرك أهمية الالتفاف حول مؤسسات الدولة المركزية.
على الجانب الآخر، تبرز استثناءات في بعض الدول الإقليمية التي تعاني أصلاً من شرخ عميق في مشهدها السياسي. هذا الشرخ تسرب بقوة إلى المشهد الاجتماعي، مما أدى إلى تعزيز الاصطفافات الطائفية والحزبية. في هذه الساحات الرخوة، تجد التدخلات الخارجية بيئة خصبة لتحويل الاختلافات الطبيعية إلى انقسامات حادة تهدد السلم الأهلي وتجعل من المواطنين أدوات في مشاريع لا تخدم أوطانهم.
تعتمد هذه الحرب الهجينة على الجمع بين العناصر التقليدية والتكتيكات غير المتماثلة، مثل توظيف الوكلاء المسلحين واستغلال خطوط الصدع الاجتماعية الجاهزة للاحتكاك. وفي هذا السياق، يبرز نموذج العراق كتجربة تحذيرية بالغة الأهمية. فبعد عام 2003، أدى استغلال الانقسامات الطائفية إلى تفكيك عميق لهياكل الدولة، حيث تحولت الولاءات المذهبية والعشائرية إلى أدوات فاعلة في صراعات الوكلاء، مما أضعف المؤسسات الوطنية وفتح الباب واسعاً أمام تدخلات خارجية مستمرة وممنهجة. وتؤكد تجارب مشابهة في لبنان واليمن أن هذا النمط من الصراع يحول التنوع الاجتماعي من مصدر إثراء ثقافي إلى مصدر هشاشة بنيوية يهدد بقاء الكيان الوطني.
في التراث السوسيولوجي، وتحديداً في منظور ماكس فيبر، ترتكز الدولة الحديثة على احتكارها الاستخدام المنظم للقوة داخل نطاقها الجغرافي. وعلى النقيض من هذا المفهوم، فإن التدخلات عبر الوكلاء تخلق كيانات مسلحة موازية تنازع الدولة في قرارات السلم والحرب، متناسية أن المجتمع بأسره – بغض النظر عن انتماءاته الفرعية – سيدفع ثمن تلك السلطات الموازية. هذا التحدي البنيوي هو ما تحاول الحرب الهجينة فرضه على عموم المنطقة.
في المشهد الخليجي، تتجلى خطورة هذا التصعيد من الجانب الإيراني في الضربات الموجهة نحو البنية التحتية الحيوية من منشآت نفطية وموانئ وخطوط شحن، إلى جانب التهديدات المستمرة للممرات المائية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز. يترافق ذلك مع محاولات خبيثة لإحياء ولاءات فرعية على حساب الهوية الوطنية الشاملة. تلك المحاولات تأخذ طريقين: الأول عن طريق شحن من يؤمنون بولاية الفقيه العابرة للحدود للتعاطف مع إيران وإن كان ذلك ضد مصلحة أوطانهم، والآخر عن طريق أولئك الذين يصطادون في الماء العكر، ويحاولون التأليب على أبناء أوطانهم عن طريق خطابات التخوين.
إن ما تمر به المنطقة اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هو محاولة مدروسة لإرهاق الاقتصاد وزرع الشك في قدرة الدولة على حماية مواطنيها ومواردها. الحرب الهجينة هنا لا تدمر المنشآت بالقصف المادي فقط، بل تسعى إلى إحداث تآكل بطيء في الثقة بالمؤسسات وتفكيك النسيج الاجتماعي الرابط بين الفرد ودولته.
يطرح هذا المشهد سؤالاً سوسيولوجياً وسياسياً أعمق: كيف نحمي الدولة الوطنية عندما يجد المواطن نفسه أمام ضغوط إعلامية ونفسية تجعله يزن بين ولائه الوطني وانتماءاته الفرعية التي يتم استغلالها ببراعة؟ التجربة العراقية المذكورة آنفاً تظهر بوضوح أن الفراغ الأمني والسياسي يحوّل هذه الانقسامات إلى أدوات فعالة وسريعة لإضعاف الدولة المركزية وإسقاط هيبتها، مما يؤدي في النهاية إلى تصدع التراتبية الاجتماعية، وخلق طبقات مستفيدة من اقتصاديات الحرب على حساب الأغلبية الصامتة.
أمام هذا الواقع المعقد، يقف الخليج أمام خيارين استراتيجيين متلازمين لا ثالث لهما: الردع الفعال، والحفاظ على التماسك الداخلي. يتطلب الردع تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، وبناء تنسيق استخباراتي خليجي محكم، ونشر منظومات حديثة قادرة على حماية المنشآت الحيوية من الهجمات غير التقليدية. أما التماسك الداخلي فيعتمد بشكل أساسي على سياسات اجتماعية تعزز الهوية الوطنية الشاملة.
وفي هذا الصدد يقف النموذج السعودي مثالاً حيّاً على التماسك الوطني، حيث لا صوت يعلو على صوت الوطن وأمنه، سواء على مستوى الإعلام التقليدي أو حتى وسائل التواصل الاجتماعي. فالنضج الذي وصل إليه السعوديون يعكس نجاح رؤية 2030 في حماية الجبهة الداخلية من التأثر بالأزمات الإقليمية.
على الصعيد الدبلوماسي، يجب أن تتجاوز أي تسوية سياسية مستقبلية مجرد الوصول إلى وقف مؤقت لإطلاق النار. ينبغي أن تشمل أي تفاهمات مستقبلية مع إيران خريطة طريق واضحة لعلاج الأزمة، وتجنيب دول الخليج أي آثار لمعارك مستقبلية ليس لها يد فيها. لقد أثبتت تجارب الماضي في الشرق الأوسط أن التسويات الناقصة لا تنهي الصراع، بل تؤجل الأزمة فقط لتنفجر لاحقاً بأدوات أشدّ سوءاً.
ختاماً، يجب التأكيد على أن الدولة الوطنية ليست مجرد كيان سياسي وإداري، بل هي إطار مجتمعي جامع يتجاوز كل الولاءات الفرعية. في زمن الحروب الهجينة، الطرف الذي ينتصر هو الدولة التي تمتلك ثقة شعبها أولاً، قبل أن تمتلك ترسانتها من الأسلحة. إن دول الخليج، بما تملكه من موارد وقدرات بشرية ومادية، قادرة على تحويل هذا التحدي الأمني إلى فرصة تاريخية لإعادة تشكيل نظام أمن إقليمي أكثر قوة واستقلالية. لكن تحقيق ذلك يتطلب عملاً جماعياً مشتركاً بين دول مجلس التعاون يضع في الاعتبار أزمات بهذا المستوى. إنها معركة وعي وبناء، بقدر ما هي معركة دفاع وردع، ودول الخليج قادرة على الانتصار في هذه المعركة.

