هل ما نطالعه على شاشاتنا كل يوم، من منشورات ومواقف تحمل توقيع أسماء عربية، يعكس حقاً نبض الرأي العام في هذه المساحة الممتدة من الخليج إلى المحيط؟ وإلى أي حد يمكن لوسائط «التواصل الاجتماعي» أن تكون مرآة صادقة لاتجاهات الشعوب وهواجسها؟
يظل هذا السؤال يُلح عند المتابعة اليومية للمشهد الرقمي، خاصة حين نجد أنفسنا أمام سيل جارف من الخطابات المُتشنجة، التي توحي بأن المجتمعات العربية لم تعد تعرف سوى الفرقة والتنابذ، وأنها تغرق في بحر من الكراهية والإقصاء المتبادل.
غير أن الذي يتعمّق في طبيعة هذه الوسائط، مُتسلحاً بمناهج البحث العلمي الرصينة، سرعان ما يكتشف أن هذا الانطباع ليس سوى وهْم خادع، وأن هذه الشاشات لا تعكس حقيقة الرأي العام بقدر ما تحوّلت إلى أدوات فاعلة في لعبة الانقسام المُمنهج.
إن الشعور بأن الفضاءات الافتراضية العربية باتت مجالاً مُستباحاً للكراهية المتبادلة، ليس تجسيداً لواقع حتمي، بل هو نتاج عمليات مُمنهجة، إنه نتاج ما يمكن تسميته بـ«صناعة الاستقطاب». فمن يُمعن النظر في طبيعة المحتوى المتداول لا يلبث أن يلحظ أنه غالباً ما يُنتج وفق أجندات لا علاقة لها بحاجات الناس ومواقفهم الحقيقية، أو بأسئلتهم المصيرية، بل محاولة لتعميق الانقسامات، واستنزاف الطاقة في صراعات وهمية.
ولعل السبب الجوهري في أن هذه الوسائط لا تنهض دليلاً على الرأي العام العربي الفعلي، يعود إلى أن فضاء «السوشيال ميديا»، بدينامياته وخوارزمياته، يُنتج في الغالب واقعاً افتراضياً يعيش في فقّاعات معزولة. فاستطلاعات الرأي الموثوقة التي تستهدف قياس الرأي العام العربي، تُظهر أن المشاعر السائدة لم تكن متطرّفة بقدر ما كانت إيجابية أو محايدة في غالبيتها، مما ينفي تلك الصورة النمطية عن مجتمعات منقسمة إلى حد التمزق. فكيف يمكن، إذن، لمنصّات تقوم على خوارزميات تهدف بالأساس إلى الربح عبر تعزيز التفاعل، وليس إلى تمثيل التنوّع الحقيقي، أن تكون مقياساً دقيقاً لاتجاهات الرأي العام المُعقدة؟
إن الخوارزميات تخلق غرف الصدى، التي تحبس بدورها المستخدم داخل دائرة من المحتوى المُتطابق مع ميوله، وتقطع صلته بآراء المخالفين، مما يضخّم الأصوات المتطرفة على حساب التيار الهادئ الأوسع، بل إن الأمر يتعدّى ذلك إلى وجود تدخّلات مُمنهجة تهدف إلى تزييف الوعي الجمعي، من خلال ما يُعرف بظاهرة «الذباب الإلكتروني»، والحسابات الآلية، التي تعمل وفق برامج مُصمّمة مسبقاً لنشر الشائعات والأخبار المزيفة والآراء الحادة، بهدف توجيه النقاش العام، أو حتى قلبه رأساً على عقب.
وفي ظل بيئة إقليمية متوتّرة، لم تعد هذه الظواهر مجرد ممارسات هامشية، بل تحوّلت إلى واحدة من أدوات الحرب غير التقليدية. فالحسابات المزيّفة والمموّهة، التي تستعين أحياناً بالذكاء الاصطناعي لـ«فبركة» الصور وتزييف الحقائق، تعمل على تهييج المشاعر، وتأجيج الصراعات القُطرية والمذهبية والطائفية، واستغلال الأزمات الإقليمية الراهنة لتمرير أجندات سياسية ضيقة.
إنها حملات منظمة تعمل على تضخيم بعض الأصوات وإخفاء أخرى، مما يجعل من المستحيل الاعتماد على هذا الفضاء الفوضوي كمؤشر صادق.
والدليل الأكثر إقناعاً على هذه الفجوة، يتجلّى عندما نقارن ما يظهر على الشاشات بأساليب القياس العلمية التي هي أكثر جدية. فبينما تقدم وسائل التواصل صورة من الاستقطاب الحاد حول قضايا السياسة الخارجية والعلاقات العربية البينية، نجد أن استطلاعات الرأي الجادّة تُظهر واقعاً أكثر تعقيداً وتوازناً؛ إذ يشير المواطنون إلى تمسكهم بقيم قومية جامعة، رغم الانتقادات الحادة لأداء النخب السياسية، بل إن هذه الاستطلاعات تؤكد أن اعتماد الناس على هذه الوسائط لا يعني بالضرورة مصادقتهم على كل ما يُبث فيها، بل يصاحبه قلق متزايد من خطر التضليل وإشاعة الشقاق.
إن ما نراه، إذن، لا يعكس حقيقة الجماعة بقدر ما يعكس توجهات مُشوّهة لما يريده لاعبون سياسيون أصحاب أجندات خاصة. فالفضاء الافتراضي، الذي كان يُظن أنه سيكون ساحة للتحرر والتعبير الديمقراطي، تحول في سياقنا العربي إلى أداة بيد مشاريع سياسية وأمنية تسعى إلى السيطرة على العقول وتفتيت المجتمعات.
وفي خضمّ هذه المعركة الوجودية على تشكيل الإرادات، تبرز الحاجة الماسّة إلى يقظة شاملة؛ فالأمر لا يتعلق فقط بفضح ممارسات التضليل، بل بوضع آليات رادعة تحد من هذه الأدوار المشبوهة، التي تستهدف النسيج الاجتماعي العربي في أضعف لحظاته.
إننا بحاجة إلى إجراءات صارمة تلاحق صناعة التضليل والفتن الإلكترونية، وإلى تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين، كي لا يكونوا مجرّد مروّجين للانقسامات المُصنّعة. كما أن القياسات العلمية الجادة لرصد الرأي العام، التي تعتمد على منهجيات المسح الميداني المباشر والاستقصاء العميق، يجب أن تحظى بالدعم والانتشار لتصبح البديل الموثوق عن أكاذيب المنصّات.

