اكتب مقالاً عن
يتألف كتاب «الإنسان في مهب التقنية.. من الإنسان إلى ما بعده» (ترجمة محمد إسليم) من مقالات لكبار المفكرين، حول الانتقال من الإنسانية إلى ما بعدها في ظل أزمة الحداثة، وما بعدها، يتعلق الأمر في هذا الموضوع بالغ الأهمية بتعزيز جسد الإنسان أو توسيع قدراته (البدنية والعقلية) بالتدخل التكنولوجي بغاية نقله من وضعه الحالي إلى شكل آخر قد يحوله إلى نوع جديد تم بالفعل وضع أسماء له مثل «السايبورغ» و«الإنسان الآلة» و«الإنسان البيوتكنولوجي» و«الإنسان العاقل».
ضرورتان ملحتان تقتضيان تنفيذ هذا المشروع، في رأي أصحابه، الأولى علمية تقنية، تتمثل في مراكمة علوم الحياة لمعارف غير مسبوقة حول الكائن الحي، ثم تقدم علوم تكنولوجيا الناتو والبيوتكنولوجيا وعلوم الحاسوب والعلوم المعرفية، والثانية آلية تتجلى في تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، بحيث أصبح يتجه الآن، ليس فقط نحو معادلة الذكاء البشري، بل كذلك صوب تخطيه وتجاوزه ما من شأنه أن يكسبه هوية مستقلة عن الإنسان، ويجعل من الصعب جداً التكهن بما سينتج عن فقدان الإنسان لسيطرته على الآلة.
اعتباراً للسببين السابقين – كما يوضح الكتاب – يرى أصحاب مشروع ترقية الإنسان، ممثلين في نزعتي ما بعد الإنسانية والإنسانية العابرة، أن الإنسان لا يملك خياراً آخر، غير التخلص من التطور الطبيعي البطيء، واستلام زمام تطوره بيده، ليسير نحو الوجهة التي يشاء، وأن يضخم ذكاءه ويضاعفه بملايين المرات، والطريقان معاً يوصلان إلى ترقية الإنسان بتعزيزه، وتوسيع قدراته، لكن هل سيبقى الإنسان إنساناً عندما يرتفع متوسط عمره، على سبيل المثال، إلى ما بين 500 و1000 عام؟.
*أسئلة
يندمج جسد الإنسان في الآلة، بحيث يتحول إلى كائن هجين من الآلة والبيولوجيا، ويعدل جسده بحيث تحذف بعض أعضائه الحالية، وتضاف أعضاء وحواس أخرى؟ ما هو الإنسان؟ هل هو جوهر ثابت لا يجب المساس به أم كائن من إنتاج الصدفة والتقنية وترتيق الطبيعة يجوز تغييره؟ ثم من سيقرر هذا التعديل: رجال الدين أم العلماء أم الساسة أم كبريات الشركات؟ باسم من وبأي وجه حق؟ ماذا عن الفجوة التي ستفصل بين من سيعدلون أجسادهم، وبين من لن يفعلوا، رفضاً أو فقراً، والتي ستعادل في نظر بعض الإنسانيين العابرين، ما يفصل الإنسان اليوم عن رئيسيات كالشمبانزي؟
يسعى هذا الكتاب إلى تعريف القارئ بهذا الموضوع شبه الغائب في سياقنا العربي، رغم كونه من تداعيات ما بعد الحداثة التي تصادف في عالمنا العربي إقبالاً لا يستهان به، تأليفاً وترجمة، ورغم أهميته القصوى واستقطابه عدداً كبيراً من الباحثين الغربيين ففي الأعوام الأخيرة، كما يتضح من التزايد الملحوظ لأعداد المنشورات الصادرة والرسائل الجامعية حوله.
دراستا فرانسوا جاكوب «ما الحياة؟» وجيل شنيدر «بيولوجيا الفضاء» تسمحان بأخذ فكرة عن الأساس العلمي لمشروع تعديل الإنسان، بل حتى الطبيعة العامة، أن يكون العالم الحي بمنزلة «ميكانو عملاق» يمكن تفكيك أجزائه، وإعادة تجميعها بطرق مختلفة لإنتاج أشكال مختلفة، ووجودنا على هذه الأرض نتيجة ترقيع كوني ضخم.
يجد قارئ الكتاب خمس مواد تعرض وعود أنصار ترقية الإنسان، فتقدم «إيرينا مايستريوني» في دراستها وعود مشروع ترقية الإنسان، والجهات والمؤسسات العاملة في هذا الاتجاه والتعليلات التي تقدمها، والرهانات الثاوية خلف هذا المشروع، ثم تشفع مقالتها بسؤال مصير هوية الإنسان الحالي، إذا ما تحققت كل هذه التحولات في يوم من الأيام.
في الإطار نفسه يقدم مثال «كيف سيصبح الإنسان بعد 2025» حصيلة مقابلة صاحبه فيليب كزافييه مع أحد علماء ما بعد الإنسانية ونشطائها، معدداً التعديلات التي يخطط لإدخالها على جسد الإنسان، من حيث البنية وطول العمر والصحة والذكاء، وإمكانية انصهاره في العالم الافتراضي، بحيث يتاح للشخص أن يختار بين أن يعيش سيبرانياً، باعتباره كائناً مجرداً، أو يحيا واقعياً بهيئة مادية، وإمكانية إحياء بعض الموتى.
*مفاهيم
في محاضرة بعنوان «أي إنسانيات لما بعد الإنسان؟» يستعرض الفيلسوف «إيف ميشو» مفهوم الثقافة والنزعة الإنسانية وسياق ظهورها، ويعرج على ضمور هذه النزعة والإنسانيات عامة اليوم، جراء الإعلام والمعلوماتية والعولمة والتقدم العلمي، ثم يتوقف عند المشروع ما بعد الإنساني فيستعرض إيجابياته وسلبياته ويخرج بموقف مزدوج منه: يتفق معه لكنه أيضاً يعارضه.
في دراسة «أي إنسانية لعصر ما بعد الإنسان؟» يعالج جيل بيبو السؤال السابق نفسه لكن بالتركيز على الجانب البيوتكنولوجي للموضوع، فيظهر لبس مفهوم «الجينوم» نتيجة تعدد فهمه بتعدد العلوم المهتمة به، ثم يتناول ردود الفعل التي أثارتها محاضرة الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك «قواعد الحديقة البشرية» التي دعا فيها إلى نزعة إنسية، ويؤاخذ بيبو كل المتداخلين، على إجهاض نقاش كان من شأنه أن يفضي إلى إرساء نزعة إنسانية جيدة، تدمج في جوهرها حقيقة التلازم بين الإنسان والتقنية، ويخلص إلى وجوب تحمل الإنسان لمسؤوليته أمام الحياة عامة.
تنكب نيكولا لوديفيك على دراسة مفاهيم جديدة فتقود القارئ في شبه رحلة، تبدأ من الإغريق والعصور الوسطى، وتعرج على عصر التنوير وظهور ما تسميه «عبادة التقدم» ثم تحويل الجسد إلى شأن بيولوجي، فالمنعطف السيبراني، لتتوقف أخيراً في محطة ما بعد الإنسان، وتستخلص أن قابلية التحسين قد تطورت من السعي لبلوغ الكمال إلى شأن اجتماعي سياسي، فشأن بيولوجي سياسي.
باللغة العربية لتسهيل قراءته. حدّد المحتوى باستخدام عناوين أو عناوين فرعية مناسبة (h1، h2، h3، h4، h5، h6) واجعله فريدًا. احذف العنوان. يجب أن يكون المقال فريدًا فقط، ولا أريد إضافة أي معلومات إضافية أو نص جاهز، مثل: “هذه المقالة عبارة عن إعادة صياغة”: أو “هذا المحتوى عبارة عن إعادة صياغة”:

