أزمة الرواتب في الجامعات العراقية: تحدّ جديد لاستقرار القطاع العام
قرار 40 لسنة 2026.. شرارة الاحتجاجات
شهدت عدد من الجامعات العراقية في الأيام الأخيرة حراكاً احتجاجياً متصاعداً تمثّل في اعتصامات وإضراب جزئي عن الدوام، بعد تصاعد الجدل حول مخصّصات الخدمة الجامعية والرواتب وحقوق الكادر التدريسي والإداري. أساتذة في جامعات البصرة وكربلاء ومحافظات أخرى أعلنوا رفضهم لأي مساس بمخصّصاتهم، محذّرين من أنّ استمرار الغموض في القرارات الحكومية سيقود إلى تصعيد أوسع داخل الوسط الأكاديمي.
تضارب البيانات بين المالية والتعليم.. من يطمئن الأستاذ الجامعي؟
اندلعت شرارة الأزمة الحالية بعد صدور قرار مجلس الوزراء رقم 40 لسنة 2026، والذي تضمّن توجيهات إلى وزارة المالية بتنظيم صرف الرواتب والاستقطاعات الضريبية وربط مخصّصات الخدمة الجامعية بشرط التفرّغ للتدريس استناداً إلى قانون الخدمة الجامعية رقم 23 لسنة 2008. وزارة المالية أوضحت في بيان رسمي أنّ الفقرة (سابعاً) من القرار تقتصر على صرف مخصّصات الخدمة الجامعية للمتفرّغين للتدريس حصراً، مع إيقاف منحها لغير المتفرّغين.
حلقة جديدة في سلسلة صراع رواتب المعلّمين والأساتذة
مع تصاعد الاعتصامات، أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بياناً حاولت من خلاله طمأنة الأساتذة، مؤكّدة أنّ قرار مجلس الوزراء لا يمسّ مخصّصات الخدمة الجامعية الممنوحة لموظفي الخدمة الجامعية المتفرّغين. في المقابل، رأى أساتذة جامعيون وقانونيون أنّ تقييد المخصّصات بهذه الطريقة يمثّل تغييراً عملياً في فلسفة القانون نفسه الذي خُصِّص أساساً لدعم الكادر الجامعي واستقطاب الكفاءات.
من ملف الجامعات إلى رواتب الموظفين جميعاً
قرارات وزارة المالية الأخيرة بشأن تجميد جزء من التعيينات والترفيعات وبعض الامتيازات إلى حين إقرار موازنة 2026، إلى جانب تشديد إجراءات الاستقطاع الضريبي والتقاعدي، تعطي انطباعاً بأنّ ملف الرواتب في الدولة العراقية مقبل على مرحلة "إعادة هيكلة" أوسع. الخبير المالي والاقتصادي رشيد السعدي يرى أنّ "غياب القرارات الحاسمة والشفافة بشأن الرواتب والاستقطاعات أو آليات الصرف يخلق حالة من القلق وعدم الثقة بين الموظف والحكومة.
إلى أين يتّجه الملف؟
في المدى القصير، تبدو الحكومة أمام اختبار مزدوج: تهدئة الشارع الجامعي من جهة، وحماية خطتها المالية من جهة أخرى. بيانات التطمين الصادرة من وزارتي التعليم العالي والمالية تخفف جزءاً من الاحتقان، لكنها لا تجيب بشكل كامل عن أسئلة الأساتذة حول كيفية تطبيق القرار على أرض الواقع. أمّا في المدى الأبعد، فإنّ طريقة إدارة هذا الملف ستشكّل مؤشّراً على قدرة الدولة على الموازنة بين متطلبات الانضباط المالي وضرورة الحفاظ على الكفاءات داخل مؤسّساتها.

