عقوبات أمريكية: سابقة وتهديد
مع أنباء وصول مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، مارك سافايا، اليوم أو غدا إلى بغداد وهو يحمل "حقيبة مفخخة" بالملفات والعقوبات وما تسميه واشنطن "الهدايا الصعبة"، تتجه الأنظار إلى واحد من أعقد العناوين في الاقتصاد العراقي: شبكات تهريب الأموال، وغسلها، وتدوير العملة الصعبة خارج المسارات القانونية، وسط ترقب لمدى اتساع دائرة الاستهداف التي قد تطال مصارف وشركات ورجال أعمال وشبكات مرتبطة بالفصائل المسلحة، وما يمكن أن تتركه هذه الخطوة من أثر على استقرار الاقتصاد وسعر الصرف وموازين القوى السياسية داخليا.
الخلفية
مارك سافايا رجل أعمال عراقي أمريكي من أصول كلدانية، يتولى منذ تشرين الأول 2025 منصب المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى العراق، بصلاحيات تربط الملف العراقي مباشرة بالبيت الأبيض. خلال الأيام الأخيرة، عقد سلسلة اجتماعات في واشنطن شملت وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسث، ومدير مكافحة الإرهاب، قبل أن ينتقل إلى وزارة الخزانة الأمريكية، حيث أعلن عن اتفاق على "مراجعة شاملة" لسجلات المدفوعات والمعاملات المالية المرتبطة بمؤسسات وشركات وأفراد في العراق، ممن تُربط أسماؤهم بالتهريب وغسل الأموال والعقود والمشاريع الاحتيالية.
التأثيرات المحتملة
الخبير في الشأن الاقتصادي والمالي أحمد التميمي يرى أنّ هذا المسار "يعكس توجهاً أمريكياً متصاعداً لتشديد أدوات الضغط خلال الفترة القليلة المقبلة"، موضحاً أنّ واشنطن تقدّم هذه الخطوات على أنها جزء من "محاولات حماية النظام المالي الدولي ومنع استغلاله في عمليات غسل الأموال وتمويل أنشطة غير مشروعة". خلال الأعوام الماضية، شدّدت الولايات المتحدة القيود على وصول المصارف العراقية إلى الدولار، عبر منصة التحويلات الخارجية والتعامل مع البنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، ما انتهى إلى تقييد تعاملات عدد من المصارف الأهلية وحظر أخرى من استخدام الدولار، بدعوى الحد من تهريب العملة إلى الخارج.
الفئات المستهدفة
رغم غياب لوائح معلنة حتى الآن، إلا أنّ نمط العقوبات الأمريكية في ملفات مشابهة يسمح برسم ملامح أولية للفئات المرشحة للاستهداف:
- مصارف وشركات صيرفة تتكرر أسماؤها في تقارير الامتثال وغسل الأموال، أو ارتبطت بتحويلات بالدولار جرى حجبها في الفترات الماضية.
- شركات واجهة في مجالات المقاولات والتجهيز والتجارة العامة، تعمل كغطاء لعقود حكومية أو توريد سلع أساسية، مع شبهات بوجود "هوامش" تعود إلى جهات سياسية أو فصائل مسلحة.
- رجال أعمال ووسطاء ماليون يتولون إدارة شبكة معقدة من التحويلات والعقود العابرة للحدود، خصوصاً مع دول تخضع لعقوبات أو رقابة مشددة.
- كيانات مرتبطة بفصائل مسلحة مصنفة أو شبه مصنفة على لوائح العقوبات، سواء عبر شركات أمنية، أو جمعيات، أو واجهات تجارية وإعلامية.
الآثار الاقتصادية
اقتصادياً، لا تنحصر آثار العقوبات في تجميد حساب هنا أو حظر مصرف هناك، بل تمتد إلى صورة السوق العراقية ككل أمام البنوك المراسلة والمستثمرين. التميمي يحذر من أنّ "أي توسع في دائرة العقوبات سيؤدي عملياً إلى تشديد أكبر من جانب المصارف الأجنبية، التي قد تذهب إلى ما يسمى بـ(الامتثال الزائد)"، الأمر الذي يعني أنّ بعض الكيانات الاقتصادية قد تجد نفسها فجأة خارج شبكة التعاملات الدولية، أو تحت تدقيق مشدد يرفع كلفة أي نشاط خارجي لها.
تأثير على المواطن
رغم أن العقوبات تُصاغ قانونياً على أنها "موجهة" لأفراد وكيانات محددة، إلا أنّ خبرة السنوات الماضية في العراق وإيران وسوريا تظهر أن المواطن غالباً ما يتلقى الضربة الأشد. التميمي يوضح أنّ "أي اضطراب في تدفق الدولار أو تشدد في التحويلات ينعكس بسرعة على أسعار السلع المستوردة، من الغذاء إلى الأدوية والمواد الإنشائية".
المعادلات السياسية
سياسياً، تحمل عقوبات من هذا النوع القدرة على إعادة ترتيب جزء من موازين القوى داخل النظام السياسي العراقي:
- الكتل التي يمثل المال السياسي عصب قوتها قد تواجه تضييقاً على شبكات التمويل التقليدية، ما يحد من قدرتها على إدارة الحملات الانتخابية، أو شراء الولاءات، أو تمويل أذرع إعلامية وخدمية.
- بعض السياسيين المرتبطين برجال أعمال أو مصارف مشمولة بالعقوبات قد يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما محاولة النأي بالنفس عن هذه الشبكات، أو الدخول في مواجهة سياسية وإعلامية مع واشنطن.
مستقبل العراق
في المحصلة، لا تختزل قضية "عقوبات سافايا" بصراع ثنائي بين بغداد وواشنطن، بقدر ما تكشف عن اختبار داخلي لإرادة الإصلاح في العراق:
- إن تحركت الحكومة بسرعة لتطهير النظام المالي، وتشديد الرقابة على المصارف والشركات، وتحصين سوق الصرف من المضاربات، يمكن احتواء جزء من الضغوط وتحويلها إلى فرصة لإعادة بناء الثقة.
- وإن جرى التعامل مع التهديد على أنه "مجرد جولة سياسية عابرة"، مع الاكتفاء بخطابات إنكار أو تصعيد لفظي، قد يجد العراق نفسه أمام حزمة عقوبات أوسع، تتقاطع فيها مصالح البيت الأبيض مع أجندات إقليمية.

