مقدمة
"رواية الحي البعيد"، للكاتب الياباني جيرو تانيغوتشي، هي إحدى تلك الأيقونات السردية التي أبحرت في عالم العودة إلى الطفولة، وتعمقت في تفاصيل تلك الحياة الباكرة بشكل مؤثر. تعتبر من الروايات القليلة التي عالجت موضوع العودة بالزمن إلى الوراء، حيث المنابع الأولى التي تكوّن فيها الإنسان، وعاش فيها حياة الحرية الحقيقية بلا مشاغل، أو معاناة من ثقل الحياة.
فن الكومكس
الرواية هي من أعمال فن الكومكس، ذلك الفن الياباني الذي صار يجتذب الكثير من الكتاب اليابانيين، بل وأصبح ضمن الاتجاهات الأدبية العالمية. العديد من الكتابات الروائية في العالم العربي تحولت إلى كومكس، أو مانغا، مع الاحتفاظ بذات السمات الإبداعية في الرواية، لكن بإضافة الصورة التي تمنح القارئ التعبيرات المباشرة.
رحلة عكسية
هذه الرواية ذات الرسوم المعقدة، إلى جانب الكلمات المعبّرة، تشكل فسحة إضافية للقارئ من أجل تنشيط ذهنه، وتحفيز خياله وهو يقوم بعملية القراءة والمشاهدة، في ذات الوقت. يحكي العمل عن تفاصيل رحلة عكسية؛ أي من الأمام إلى الوراء، من الحاضر والمستقبل إلى الماضي. تناقش الرواية فكرة مركزية، وهي المتضمنة في سؤال: "ماذا يحدث لو عاد الإنسان إلى طفولته ليمارس فعل البدء من جديد، هل سيسلك ذات الطريق، ويختار ذات الخيارات، أم أن هناك أشياء سوف تتغير؟"
تجربة حياة
هذا السرد ليس للصغار أو اليافعين كما يظن البعض، بل هو تجربة حياة. رغب الكاتب في رصد حياة الإنسان وتجاربه من خلال صور متتابعة. لا شك في أن ذلك التتابع من المشهديات سوف يعكس للقارئ تلك المتغيرات التي تطرأ على الإنسان من الناحية الجسدية، وكذلك النفسية.
فصول الرواية
تنقسم الرواية إلى عدة فصول، وهي ليست بمثابة عناوين فقط، بل تقسيم مقصود من أجل تبيان مسارات السرد بشكل دقيق. عناوين الفصول هي: "باب إلى الجانب الآخر"، "في الرابعة عشرة"، "الربيع من جديد"، "دوار طفيف"، "فضاء الزمن"، "مملكة الأب"، "مناظر القلب"، "لوحة تذكارية غير مألوفة"، "الأب والأم"، "امرأة جميلة"، "عائلة سعيدة"، "مشاهد صيفية"، و"انتظار الأب"، "انطباعات كل شخص"، و"مسافر عبر الزمن".
حكاية
بطل رحلة العودة إلى الطفولة هو هيروشي ناكاهارا، وهو موظف في الأربعينيات من عمره، منفصل عن زوجته حديثاً، عائد إلى طوكيو من رحلة عمل شاقة. كان متعباً ويعاني آثار السهر، والغياب عن الوعي، وهو يستقل قطاره من محطة كيوتو الضخمة، يستيقظ ليجد نفسه مسافراً إلى البلدة التي نشأ فيها (كورايوشي)، لا إلى طوكيو.
شخصيات
برعت الرواية كثيراً في رسم الشخصيات، وبنائها داخل المنظومة الدرامية للعمل، بخاصة الذين سكنوا ذاكرة هيروشي من أقاربه. يفرد السرد مساراً للحياة الخاصة بهم، وعلاقتهم مع بطل العمل هيروشي، من أجل تعميق فكرة تلك العودة إلى أزمنة الطفولة.
أساليب
تميزت الرواية بتعدّد الأصوات، وكثافة الشخصيات، والصور المعبرة عن الأحداث بشكل متقن، وبواقعية دقيقة تحمل الكثير من التفاصيل. يوفر ذلك خلفية حية بالنسبة إلى القارئ، ليس حول الشخصيات فقط، بل وكذلك الأفكار التي يحملها العمل.
ضحك وجد
استطاع الكاتب أن يصنع عوالم حقيقية وواقعية، على الرغم من غرابتها، واستعان بالكثير من التقنيات من أجل أن تكون الرواية قريبة من القارئ في واقعيتها. ينتقل الموقف من ضاحك إلى حزين من دون مقدمات، ولعل ذلك الأمر أراد منه المؤلف أن يقارب فكرة التحولات، ليس في الزمن فقط، ولكن في الإنسان نفسه، وانتقالاته في بعض الأحيان، من موقف إلى آخر.
الاقتباسات
"هجر الوالد عائلته واختفى في مجاهيل عالم غريب".
"لو أستطيع العودة إلى نفسي والبدء من جديد".
"مهما ناديته لا يستيقظ أبداً".
"لم تمتلك جسدا قوياً لكنها كانت ذات عزيمة لا تلين".
"في ذلك المكان لم يتبق شيء".
"مرت سنوات، تغيّرت البلاد وسرت فيها بلا هدف".
"يسكن الأطفال في أعماق القلب".

