حرب الرقائق الإلكترونية: الصراع الجيوسياسي الذي يؤثر على أسعار الأجهزة الإلكترونية
تتصاعد في السنوات الأخيرة ما بات يُعرف بـ”حرب الرقائق الإلكترونية”، مع الطفرة الكبيرة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتوسع المتسارع في مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة حول العالم. هذا التحول ضاعف الطلب على الرقائق والذواكر المتطورة، في وقت ما تزال فيه الطاقة التصنيعية العالمية محدودة ولا تواكب حجم القفزة التكنولوجية، ما خلق حالة اختناق في سلاسل التوريد ورفع كلف الإنتاج، وبدأ ينعكس تدريجيا على أسعار الأجهزة الإلكترونية التي يعتمد عليها المستهلك في حياته اليومية، من الهواتف الذكية والحواسيب، إلى الأجهزة القابلة للارتداء وغيرها.
الصراع الحقيقي وراء موجة غلاء الأجهزة الإلكترونية
الصراع الحقيقي الذي يقف خلف موجة غلاء الأجهزة الإلكترونية ليس تقنيا فحسب، بل هو مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة والصين على ملف الرقائق الإلكترونية بوصفها سلاح الهيمنة في الاقتصاد الرقمي. فواشنطن فرضت خلال السنوات الأخيرة قيودا مشددة على تصدير الرقائق المتقدمة وتجهيزات تصنيعها إلى بكين، ومنعتها من الوصول إلى أحدث تقنيات المعالجات والذكاء الاصطناعي، فيما ردت الصين بالسعي لتسريع بناء صناعة وطنية منافسة وتشديد قبضتها على بعض المعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد المرتبطة بهذه الصناعة. هذا الشد والجذب بين القوتين رفع كلفة الإنتاج، وخلق حالة عدم استقرار في الأسواق، وفرض على الشركات البحث عن بدائل أكثر كلفة أو نقل جزء من مصانعها إلى دول أخرى، ما انعكس في النهاية على أسعار الحواسيب والهواتف والأجهزة الذكية التي يدفع المستهلك ثمنها اليوم، بوصفه الحلقة الأضعف في صراع جيوسياسي يدور حول شريحة سيليكون لا يتجاوز حجمها بضعة مليمترات.
ما هي الرقائق الإلكترونية وأين تُصنَع؟
الرقائق الإلكترونية، أو ما يُعرف بالـ”Microchips” أو “Semiconductors”، هي شرائح صغيرة جدا مصنوعة في الغالب من مادة السيليكون، تُنقَش على سطحها مليارات من الترانزستورات الدقيقة التي تقوم بعمليات المعالجة والتخزين داخل كل جهاز إلكتروني تقريبا. هذه الشرائح هي “العقل الخفي” الذي يدير عمل الحواسيب والهواتف الذكية والسيارات الحديثة والأجهزة الطبية والمعدات العسكرية، وصولا إلى مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي. وتتركز صناعة الرقائق المتقدّمة اليوم في عدد محدود من الدول والشركات الكبرى، في مقدمتها مصانع في شرق آسيا، خصوصا في تايوان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى الولايات المتحدة وبعض القدرات المتنامية في الصين وأوروبا، ما يجعل أي اضطراب في هذه السلسلة الحساسة تتحول آثاره سريعا إلى أزمة عالمية في توافر الأجهزة وارتفاع أسعارها.
طفرة الذكاء الاصطناعي تشعل شرارة “حرب الرقائق”
المختص في شؤون التكنولوجيا علي العمران، حذر من تصاعد ما يُعرف بـ”حرب الرقائق الإلكترونية”، مؤكدا أنّها تُشكّل أحد أخطر التحدّيات الصامتة التي تواجه الأسواق العالمية، وستنعكس بشكل مباشر على أسعار الأجهزة الإلكترونية خلال الفترة المقبلة.
وقال العمران، في حديث لموقع بغداد اليوم، إنّ “الطلب العالمي المتسارع على الرقائق الإلكترونية، مدفوع بطفرة الذكاء الاصطناعي والتوسع الكبير في مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة، أدّى إلى ارتفاع حاد في كلفة إنتاج هذه الرقائق، في ظل محدودية الطاقة التصنيعية عالميا”.
وبيّن أنّ “هذا الخلل بين العرض والطلب، إلى جانب القيود التصديرية والتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، سيدفع بأسعار الحواسيب والهواتف الذكية والأجهزة الذكية الأخرى إلى الارتفاع، وربّما فعلا تصل الزيادة إلى ما لا يقل عن 20%، مع اختلاف النسب حسب نوع الجهاز ومستوى تطوّره التقني”.
من المصانع إلى جيب المستهلك.. كيف تنتقل الحرب إلى الأسعار؟
ومع اشتداد المنافسة بين القوى الكبرى على السيطرة على سلاسل إنتاج الرقائق المتقدّمة، تتحوّل هذه الصناعة شيئا فشيئا إلى ساحة صراع جيوسياسي، تُستخدم فيها القيود التصديرية، وقوائم الحظر، وصفقات نقل التكنولوجيا، بوصفها أدوات ضغط متبادلة. هذا الواقع يجعل أي اختناق في الإمدادات، أو أي قيود جديدة على تصدير بعض الشرائح المتقدّمة، ينعكس مباشرة على كلفة المكوّنات التي تدخل في صناعة الحواسيب والهواتف والأجهزة الذكية.
تداعيات محتملة على الأسواق المحلية
في بلدان تعتمد كليا على الاستيراد في تلبية احتياجاتها من الأجهزة الإلكترونية، مثل العراق، تبدو آثار “حرب الرقائق الإلكترونية” أكثر وضوحا وحساسية. فارتفاع كلفة المكوّنات عالميا يعني زيادة إضافية عند احتساب تكاليف النقل، والرسوم، وتقلبات أسعار الصرف، ما يجعل أي موجة ارتفاع عالمية في أسعار الأجهزة تنعكس بقوة مضاعفة على المستهلك المحلي.
ومع تراجع القدرة الشرائية في الكثير من الأسواق، قد يجد المستهلك نفسه أمام خيارات أصعب: إمّا تأجيل استبدال جهازه القديم لفترة أطول، أو الانتقال إلى فئات أقل من حيث المواصفات، أو تحمّل كلفة أعلى للحصول على نفس مستوى الأداء الذي كان متاحا قبل سنوات بأسعار أقل.
بهذا المعنى، لا تبدو “حرب الرقائق الإلكترونية” مجرّد صراع تقني بين شركات عملاقة في قارات بعيدة، بل مسارا صاعدا لتحدٍّ اقتصادي سيطال الأسرة العادية مباشرة، عبر فاتورة هاتف أو حاسوب أو جهاز إلكتروني أصبح أغلى ثمنا وأقلّ توفّرا، في عالم يتّجه بسرعة نحو الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في كل تفاصيل الحياة.

