وندهتني أخيرًا “النداهة” إلى مجمع الفنون “قصر عائشة فهمي”، ذلك القصر الذي قال عنه الفنان الكبير يوسف وهبي في أحد لقاءاته التليفزيونية السابقة: “كنت أفرّ منه في منتصف الليل لأستريح على أحد الأرصفة من شجار زوجتي بسبب غيرتها الشديدة علي”.
ولبّيت نداء النداهة، وأسرعت بعد أن انتهيت من عملي إلى شارع أباظة بحي الزمالك حيث يقع القصر. دخلته وكان صوت أم كلثوم يستقبلنى بأغنية: “أمل حياتي.. يا حب غالي”.
وأخذت أتجول في معرض صوت مصر الذي يضم مقتنيات أم كلثوم ومقتطفات من مذكراتها والتي بدأت أقرأها وأتخيل كما لو كانت كوكب الشرق تحكي لي عن حياتها و كيف اختار والدها اسمها، وفرحتها بالدمية التي صنعتها لها جدتها. وحين انتهيت من القراءة، تأملت سلالم القصر واللوحة الفنية المرسومة على الزجاج، وتخيلت يوسف وهبي وهو يتشاجر مع زوجته عائشة فهمى ويهددها بالانفصال عنها بسبب غيرتها الشديدة عليه، بينما هي غاضبة تحاول أن تدافع عن حبها وتثنيه عن تركها في منتصف الليل.
ثم عدت مرة أخرى إلى كوكب الشرق، ودخلت إحدى الغرف التي كانت مزينة بالصحف التي تناولت حالتها الصحية في أيامها الأخيرة وكيف نُشر خبر وفاتها. ثم لفتت نظري مدفأة بالغرفة، فعدت أتخيل عائشة وهي تجلس بجوارها في إحدى الليالى وتبكي بعد طلاقها، شاعرة بالوحدة، ثم تفكر في الانتقام من ذلك الحبيب والزوج الذي لم يقدّر حبها يومًا. تخيلت قرارها بالزواج من الفنان الكبير محمود شكوكو، ونجح في استفزاز زوجها السابق حتى أنه تشاجر معه وطلب منه أن يطلقها لأنه رأى أن زواجه منها طعنة في كرامته.
وعدت مرة أخرى إلى كوكب الشرق، أتأمل مقتنياتها الخاصة واللوحات والتماثيل البديعة التي جسّدتها وفساتينها وإكسسواراتها. ثم عُدت إلى عائشة، أراها وحيدة بين جدران القصر. عندها شعرت أن جولتي قد اكتملت، فخرجت من أبواب القصر وأم كلثوم تغنى: “أهل الحب صحيح مساكين… صحيح مساكين”.