فى غضون الساعات القليلة الماضية، بعثت القاهرة بسلسلة من الرسائل السياسية الواضحة، إلى الأطراف المباشرة فى الأزمة الفلسطينية، وكذلك المجتمع الدولى.
رسائل مصرية حملت فى طياتها تأكيدًا جديدًا على ثوابت الموقف المصرى تجاه القضية الفلسطينية، وعلى الدور المحورى الذى تضطلع به مصر فى إدارة أزمات المنطقة وتخفيف حدّة التوترات التى تشهدها.
أولى هذه الرسائل جاءت من خلال تأكيد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى على ضرورة البدء الفورى فى عملية إعادة إعمار قطاع غزة عقب وقف إطلاق النار، وهو ما يعكس إصرار مصر على أن تكون المعالجة الإنسانية للأزمة على رأس الأولويات، ولم يقتصر الأمر على إعلان النية، بل شمل أيضًا الإعلان عن الإعداد لعقد مؤتمر القاهرة الدولى لإعادة الإعمار، بالتعاون مع الحكومة الفلسطينية والأمم المتحدة، وهو ما يعكس توجهًا عمليًا يضع مصر فى صدارة جهود بناء ما دمرته الحرب.
اللقاء الذى جمع الرئيس السيسى مع الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثانى، رئيس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر، حمل هو الآخر دلالات سياسية متعددة، فمن ناحية، أكد حرص القاهرة والدوحة على تعميق العلاقات الثنائية وفتح آفاق للاستثمار المشترك، ومن ناحية أخرى، أظهر أن التنسيق المصرى-القطرى لم يعد يقتصر على الملفات الثنائية، بل يمتد ليشمل إدارة الأزمة فى غزة، بالتوازى مع التنسيق مع الولايات المتحدة، من أجل التوصل إلى وقف فورى لإطلاق النار وضمان إدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق.
الرسالة الثالثة والأكثر وضوحًا جاءت على لسان وزير الخارجية والهجرة بدر عبد العاطى من أمام معبر رفح، عندما شدد على أن الموقف المصرى ثابت وراسخ يتلخص فى رفض أية محاولات للتهجير، ورفض سياسة فرض الأمر الواقع، ورفض التلاعب بحقوق الفلسطينيين التاريخية.
ومن أمام المعبر أكد الوزير أن مصر لن تشارك فى أى ظلم تاريخى للشعب الفلسطينى، مجددًا دعم الدولة المصرية لحقه المشروع فى إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن الملفت أن الرسائل المصرية، لم تقف عند حدود الخطاب السياسى، بل امتدت إلى لغة الأرقام الملموسة منها: أكثر من 5000 شاحنة مساعدات عبرت من الجانب المصرى، و70% من المساعدات التى دخلت القطاع جاءت من مصر، فضلًا عن استقبال عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين الفلسطينيين فى المستشفيات المصرية، هذه الأرقام تعكس أن الموقف المصرى ليس مجرد بيانات سياسية، وإنما التزام عملى وإنسانى على الأرض.
هذه الرسالة المصرية القوية شددت أيضًا على رفض أى عودة للاحتلال العسكرى للقطاع أو محاولات تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير أو إعادة رسم الخريطة الديموغرافية لغزة، وهو موقف يتسق مع ما أعلنه السيد الرئيس السيسى مرارًا من أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام واستقرار دائمين فى المنطقة.
اللقاء المصرى-القطرى حرص على التأكيد على أن القاهرة ليست معنية فقط بالملف الفلسطينى، بل تسعى إلى بلورة رؤية إقليمية شاملة تقوم على احترام سيادة الدول، ووحدة أراضيها، والبحث عن حلول سياسية سلمية للأزمات الممتدة فى المنطقة، وهو ما يضع مصر فى موقع “الدولة المحورية” التى تسعى إلى منع انزلاق الأوضاع إلى مزيد من الفوضى.
رسائل القاهرة خلال الساعات الماضية لم يكن مجرد الإعلان عن مواقف، بل رسائل متكاملة تعكس ثبات الموقف المصرى من القضية الفلسطينية، وتجسّد دورها الإقليمى المحورى.
هذه الرسائل إنسانية وسياسية فى آن واحد، موجهة إلى كل من يهمه الأمر: أن مصر ستظل سندًا للشعب الفلسطينى، وركيزة للاستقرار فى المنطقة، ولن تتخلى عن مسئولياتها التاريخية تجاه قضاياها المركزية، مهما بلغت التحديات.
دور مصر ومواقفها واضحة وضوح الشمس .. ولا تقبل المزايدة ..
sherifaref2020@gmail.com