في واحد من أكثر أفلام الدورة الثامنة والسبعين لمهرجان كان السينمائي هدوءًا من حيث النبرة، وجرأةً من حيث الموضوع، تقدّم المخرجة حفصية حرزي في فيلمها «الأخت الصغيرة» عملاً إنسانيًا بالغ الحساسية، يقترب من أسئلة الهوية والانتماء والرغبة من دون افتعال، ومن دون أن يقع في فخ الشعارات أو المباشرة. إنه فيلم يصغي إلى بطلتِه أكثر مما يفسّرها، ويراهن على التفاصيل الدقيقة بوصفها مدخلًا إلى صراع داخلي معقّد، لا إلى حكاية صدامية جاهزة.

يروي الفيلم مسار فتاة شابة تجد نفسها عالقة بين عوالم متداخلة: العائلة، والدين، الجسد، الرغبة، والخوف من أن تُرى على حقيقتها في بيئة لا تمنح الاعتراف بسهولة. غير أن قوة الفيلم لا تكمن في مادته الحكائية وحدها، بل في الطريقة التي تعالج بها حرزي هذه المادة؛ إذ لا تدفع الشخصية إلى مواجهة صاخبة مع العالم، بل تتركها تتشكل أمامنا ببطء، عبر التردد، والانكماش، والانفعال المكتوم، والبحث المرتبك عن مساحة يمكن أن تعيش فيها من دون انقسام.

ما يميز «الأخت الصغيرة» أن بطلتَه لا تُقدَّم كرمز أو نموذج تمثيلي لخطاب اجتماعي، بل كإنسانة أولًا: فتاة شديدة الهشاشة، وواعية في الوقت نفسه، تحاول أن توفّق بين ما تشعر به وما يُنتظر منها. هذا التوتر هو قلب الفيلم الحقيقي. فالمسألة هنا ليست مجرد اكتشاف ميول أو عبور نحو الحرية، بل صراع أكثر دقة ومرارة: كيف يمكن للإنسان أن يكون نفسه من دون أن يشعر أنه يخون عالمه الأول؟

تُدير حفصية حرزي هذا الصراع بذكاء لافت. فهي لا تبني الفيلم على لحظات الانفجار وحدها، بل على التراكم النفسي، وعلى مراقبة التحولات الصغيرة في الوجه والنبرة والسلوك. لذلك يبدو الفيلم أقرب إلى تشريح داخلي ناعم، يتقدم بإيقاع هادئ لكنه لا يفقد توتره أبدًا. كل مشهد يضيف طبقة جديدة إلى الشخصية، وكل علاقة تكشف جانبًا من ارتباكها، بحيث تصبح الرحلة بأكملها أشبه بمحاولة مضنية لصياغة ذات لا تريد أن تتبرأ من جذورها، لكنها لم تعد قادرة أيضًا على العيش داخل حدودها القديمة.

بصريًا، يختار الفيلم أسلوبًا متقشفًا ومنضبطًا، ينسجم تمامًا مع حالته الشعورية. لا توجد زخرفة شكلية زائدة، ولا رغبة في استعراض الإخراج أو تجميل الألم. الكاميرا قريبة من البطلة، لكنها لا تقتحمها، والفضاءات اليومية تُصوَّر بوصفها امتدادًا لحصار داخلي لا يقل قسوة عن أي مواجهة مباشرة. هذا الاقتصاد الجمالي يمنح الفيلم صدقه، ويجعل أثره أكثر عمقًا.

أما الإنجاز الأبرز في العمل، فيتجسد في أداء نادية مليتي، التي تحمل الفيلم بموهبة هادئة ومركزة، وتمنح الشخصية حضورًا نادرًا في صدقه وتردده وانكساره. أداء مليتي لا يقوم على الاستعراض العاطفي، بل على السيطرة الدقيقة على المشاعر، وعلى القدرة على التعبير عن أعقد الانفعالات من خلال أقل الوسائل. إنها لا “تمثل” الشخصية بقدر ما تسكنها من الداخل، وتمنحها ذلك البعد الإنساني الذي يجعل المتفرج يراها قبل أن يحاكمها، ويشعر بها قبل أن يفسرها. ومن هنا، يبدو تتويجها في كان مستحقًا تمامًا، لا بوصفه مكافأة على ظهور أول لافت فحسب، بل اعترافًا بأداء ناضج استطاع أن يمنح الفيلم عموده الفقري كله.

الفيلم لا يدّعي تقديم إجابات نهائية، ولا يسعى إلى حلّ التوتر بين الهوية الدينية والميول الشخصية في صيغة مبسطة أو تصالحية. على العكس، إحدى نقاط قوته الأساسية أنه يعترف بتعقيد هذه المساحة، وبأن النضج أحيانًا لا يعني العثور على حل، بل تعلّم العيش داخل الأسئلة. لذلك يبدو «الأخت الصغيرة» أكثر صدقًا من كثير من الأفلام التي تتناول الموضوعات نفسها من منظور توضيحي أو خطابي.

كما أن حرزي تنجح في تفادي النظرة الاختزالية إلى بيئة البطلة. فلا العائلة تُقدَّم ككتلة قمعية مجردة، ولا التدين يظهر كديكور صراعي سهل، بل يظل كل شيء محكومًا بنبرة إنسانية ترى التناقضات كما هي، من دون تبسيط أو شيطنة. وهذا ما يمنح الفيلم نضجه الحقيقي: أنه لا يبحث عن خصم واضح، بل عن حقيقة شعورية معقدة يصعب الإمساك بها.

«الأخت الصغيرة» فيلم عن الانقسام الداخلي، لكنّه ليس فيلمًا يائسًا. إنه عمل عن الكلفة النفسية لأن تكون مختلفًا داخل عالم يريد منك الوضوح والطاعة والامتثال، لكنه أيضًا فيلم عن تلك اللحظة الدقيقة التي يبدأ فيها الإنسان، ولو بخوف شديد، في الإنصات إلى صوته الخاص. ومن خلال هذه النبرة الرصينة، تؤكد حفصية حرزي أنها لا تملك فقط حساسية موضوعية عالية، بل عينًا سينمائية تعرف كيف تحوّل الارتباك إلى دراما، والصمت إلى اعتراف، والهشاشة إلى قوة فنية خالصة.
حنان فهد – مهرجان كان السينمائي 2025

